شفرات البرد القاسية تمض جسده المرتعش وسط الضباب الكثيف الذي يغلف المكان، الفجر مازال شاحب النور، يصارع بزوغه ليلة شتائية طويلة .. أتكأ على النخلة ذات الجذع الغريب الانحناء، يلتمس منها بعض الدفء، أوقظ مشهد النخيل والنهرالذي يقف على ضفته، الكثير من الذكريات، صور تتوالى أمام عينيه، تؤجج الحنين والحزن في صدره، صورة أمه، صوتها، كفها الدافئة المضمخة بنكهة، لاتملكها سوى الأمهات، أخوانه، أصحابه، الحي الفقير الذي إحتضن دارهم بفنائها الترابي، الذي مرغ فيه طفولته، وجدرانها العارية التي خبأ في شقوقها رسائل عشقه البريء، الخجول .. لكن الذكريات الجميلة سرعان مابدأت تتراجع وتتضبب، لتحل محلها الرؤى البشعة والقاتمة، السجن، الخدمة العسكرية، الصفعة التي لايعرف سببها من شرطي الأمن !!.
صرخ عاليا بوجه النهر:
لن أتراجع مهما كان الثمن، نبرته حازمة غالبت أصطكاك أسنانه، وأرتعاشة جسده، سأعبر الى هناك .. لن اتراجع .. سأعبر وليكن الموت رفيقي، لكل شيء ثمنه، الحرية لها ثمن، رغيف الخبز له ثمن.. وزجاجة العرق لها ثمن .. الشيء الوحيد الذي بلا ثمن هو أنا، الأنسان هنا أرخص الأشياء، وأكثرها تفاهة، كل شيء أغلى منه، حتى المسحاة الصغيرة والزمزمية وشاجور الرصاص التي فقدتها، دفعت ثمنها إقساطاً بعد الهجوم اللعين زملائي الذين أستشهدوا بقربي، كانت أشلائهم بلاثمن، جُمعت ورُصت بصناديق رخيصة، وصلت الى ذويهم جيفاً لايحتمل الأقتراب منها، سوى أم مفجوعة أو أب مذهول… الضفة الأخرى بدت أبعد بكثير، عما كان يراه قبل شهور، أثناء خدمته العسكرية في هذا المكان، وهو يرقب النوارس والطيور، التي تحلق جيئة وذهابا دون رقيب، أو حاجز، أو جواز سفر، وَدَّ لو يحلق مثلها بتلك الاجنحة الناعمة، نحو الشمس والنور، أو إلى أي مكان يقصيه عن هذا الجحيم، الذي جعله يغبط الحمير والماشية، التي يراها ترعى بهدوء وامآن، وهو في طريقه الى جبهات الموت.
وضع قدمه بحذرٍ في الماء، تراجع بخطوات متعثرة، بعد أن سرت في جسده برودة ماء النهر، وصعقته مثل تيار كهربائي !!
لِم لم أأجل هذه الرحلة الخطرة الى الصيف ؟؟؟ قالها في داخله ..
ولِمَ لم أهرب قبل عام ؟؟
قبل أعوام ..
قبل أن تلدني أمي ..
اللعنة لماذا نهرب من الأوطان ؟؟!!
أمي ودعتها بالامس، قَبّلت يديها بحرارة، حضنتني باكية، الامهات يستشعرن الخطر، مجساتهن لاتخطئ، تعلقت بثيابي على غير عادتها، توسلت عيناها بسؤال غريب، ربما أن أبقى، وفي بقائي الموت، وأن لااذهب، ففي ذهابي الموت، موت موت موت، صاح ثانية بالنهر:
الموت، يانهر كل مافي وطني موت، لن أدع أمي تستلف ثانية، الدنانير الخمس من جارتنا،
اللعنة على الاوطان التي تستلف بها الامهات أجرة الدروب المؤدية الى حتف أولادهن، لن أعود الى وطن صفعت فيه بلا ذنب..
ومن فرط غضبه، إرتمى بقوة نحو التيار، ثم راح يصفع الموج بحركات سريعة حانقة، تاركاً لذراعيه وقدميه عبث الصعود والهبوط دون إتساق، ليبعث بعض الدفء في الجسد الذي لسعته المياه الباردة والريح، قلبه ينبض بسرعة، عليه أن يستعجل اللحظات، ويستأنف رحلته، قبل إنقشاع الضباب، وأنبلاج الفجر .. شيئا فشيئا راح يبتعد عن الشاطيء، أصبحت حركة الساقين والذراعين أقل سرعة، والتنفس يزداد صعوبة،إلتفت الى الوراء ليتعرف على مكانه في النهر الذي غلفه الضباب من كل الجهات،وكأنه يسبح في سحابةٍ هائلة .
دَبَّ الخوف والقلق الى قلبه، حينما أيقن أنه في منتصف النهر الهادر المخيف، لاشيء تحت قدميه يسنده، إن هو هَدَّه التعب، المسافة بين الضفتين أصبحت واحدة، لاعودة من منتصف الطريق، أما الموت أو الحرية .. مايفصله عنهما الآن ذات المسافة .. أحسَّ بتثاقل ذراعية وكأنه يُجذّف بألواح خشبية ثقيلة، بينما بدت حركة ساقيه شبه مشلولة، أنقلب على ظهره لعله يريح الذراعين المتعبتين، لكنه سرعان ماعاد الى وضعه الأول بعد أن سرت موجة فوق صدره، وغطت وجهه تحت الماء، شهق وأرتبك، دار حولة نفسه، مثل غريق يطلب النجدة من بعيد ..
ماعاد يميز الجهة التي يريد العبور نحوها، بسبب دورانه وسط الضباب، صدرت منه صرخة مكتومة، لكن من سيسمعك في هذا المكان البعيد ؟؟ وفي هذا الفجر الضبابي المخيف ؟؟؟.
لاشيء سوى مواصلة الطريق، فها أنت تتأرجح بين الحياة والموت، أرخى ذراعيه قليلا، وحرك ساقية بكل مالديه من قوة، المحاولة بدات تنجح، صار يندفع بسرعة اكبر، وجهداً أقل، وفي غمرة هذا الخوف والقلق، لاح له وجه أمه، إخوانه الصغار، تذكر الصفعة التي لايعرف سببها، رائحة الموت في الشوارع والجبهات، الحب الذي ضاع لإستحالة شراء خاتم خطوبة أو سوار.. أحس بقوة تدفعة نحو الضفة، ربما هو التيار، أو تلك الصورة، أو شيء آخر لايعرف مصدره. غابات النخيل تقترب، وتلوح بين أستار الضباب،غمره فرح طفولي حينما لامست أصابع قدميه الطين والاعشاب، جذف مشياً بقوة وفرح، صاح في داخله، إنها الحرية، الحرية .. مشى بضعة أمتار فوق الشاطيء، إرتمى فوق الضفة الطينية منهك القوى، سحب نفساً عميقاً، تلفت حوله بأرتياب، لكنه صُعق وكاد يغمى عليه، عندما شاهد النخلة ذات الجذع الغريب الانحناء، والتي إنطلق منها الى النهر، على بعد خطوات من المكان الذي يقبع فيه.