01- قد نُغادِر الأمَاكن ونذهَبُ بعيدًا، لكن الحَظ لا يُغادِرُنا فِي كثِير مِن الأحْوَال، الأمَاكِن التِي تسْتهْوينا ننقادُ إليْهَا دُون شُعُور، والتي نَنفرُ مِنْها عَادَة مَا تكُون مَأوْى للوحُوش، الذِّئاب الشرِّيرَة تعِيش في كهُوفٍ مُعَتمَة بَعِيدَة عن العُيُون، تتسَلل من ثقوبُ البَاب كالهَواء لتؤْذِي العيَّال، الغريب في الأمْر أنَّها صَارَت تتصََالحُ مَع الكِلاب في أوْقاتِ الشِدَّة، لتنشر الرُّعْب في الحُقول وتُهَاجِم المُدُن والبيُوت الآمِنة والقطعَان، هيَّ مُفسِدة بطبِيعَة الحَال، ولا تخرُجُ إلا في الظلام الدَّامِس،الأمْر لم يَكن كمََا كان، بل صَار يَخْتلف تمَاما في زَمَن العَوْْلمَة، بتنا نكتشفُ سِحْر الكلمَات ومَعَانِيها لدَى الإنسَان الذِي يَدعي انَّه مُتحضر، المُحزن أنه يُصنِّف نفسَه دُون خجَل في خانة الذئَاب، يُسَالمُها كيمَا يَفعل مَع الكلاب، ولأجْلها يُعَادي الكائنات الأخرَى،العَبيد الذين لهم قابلية للاسْتعمار يَسْتهويهم الأمْر، يرْْضون بالغرََباء ويَهْتمُون بنشر غسِِيلهم، يُحبُّونهم حُبا جَما إلى حَد أنهُم يكرَهُون أنفسَهُم، ومن اجْلهم يُعادُون إخوَانهم، ومِن قبل كانوا مُسَالِمين للكلاب إلى دَرَجة أنهَا صَارت تنامُ في فرَاشهم، يقولون وبِكل خُبث أنَّ ذئاب الْجَنُوب شرِّيرَة، تنفردُ بضحيَّتها، يُحَاولون مُتشدقين وبكل فجَاجة إقناعك وتظليلك، يُمِدذُُونك بقبْح أفعَالهم وتضليل إعلامِهم، يُمْعنون في سَلب عَوام الناس عُقولهُم، أصوَات عابثة تبث يردِّدونها مُجََلجلة، عند سَماعك لها تخالها عَواء ذِئاب نابِِحة فيَختلط الأمْر عِندَك، كلابُهم تتصدَّى لهَده الذئاب بشكل رهِيب..يحْدث هذا من اجْل التمْويه والتخويف ليْس إلا، إنها لا تلبث أن يتحوَّل لديها العواء والنباح تراشقاً بالورد ووصالا، فتختلط الأصوات، وتتعانق الأرْواح في تمازج مُلفت وخادِع، وفي الأخير يدعونك إلى مُشاهدة المَسْرحيَّة العَابثة بكل تفاصيلها فتنبَهر؛ انهُ تمثيل رَائع على المُجْتمعات المُتخلفة، يحْمل أحْلامًا كعِظام هَشة بيْن أنياب تلك الكائنات المُتوَحِّشة، سُلوكيَّات صَارت أكثر انتشارًا، وحُضورًا في حَياتنا السِيَّاسية، بله أكثر قبْحًا بين الكائِنات، ومن قال أنَّ الكلاب لا تتزَاوج مَع الذئاب فهو وَاهم؟.
02- اسْتسلمتُ لرغبته الجُلوس مع احَد الموظفين الإداريين، دَلفنا المقهى، انزوَينا في رُكن قصي، جذبتُ كرسيًا لأجْلس، فهَمسَت إليَّ سيِّدة يبدُو أنها من ألمَانيا وقالت: ثمنُ الجُلوس على المَقاعِد هُنا بَاهظ، أدرْت وجْهي نحوها مُبتسمًا وقلتُ:لم أكن أتوقعُ أنَّ الإقبال على المَقاهي كبير من اجل الكرَاسي لكن لأبأس، قالت مُرافقك يَعْرفُ تمامًا أن الجَالسِين هنا مُعْظمُهم مُوَظفين في الإدَارَة،أليس كذلك؟ اسْتأنفَت حَدِيثها وقالت: بلغة عَربيَّة عَذبَة تتهَجَّى حُروفها، جَاءَت من ألمَانيا لتجْمًع وثائقَ مُهِِمَّة تتعلقُ بزوْجها الجَزَائِري ألذي توفى في حَادِث مُرُور، فنصَحُوها بِطلب الأوْرَاق من مُوَظفٍ يَرتادُ الْمَقهَى، وضربَ لها مَوْعدًا هُنا، قالت ذلك وابْتسَمت، اسْتطردَت تقول: الإدَارة عِندَكم تنشطُ في المَقهَى والمُوظفين غير مُنضبطين هههه..قلتُ لها: ربما بَعْضُ الذهنيات لا تزالُ تحْمل بصَمات التخلف، قال رَفيقي: لا..هِيَّ سُلوكيَّات من بقايَا ثقافة الاسْتعْمَار ليْس إلا..فابتسَمَت وقالت: الاسْتعْمار رَحل مُنذ نصف قرن..وأنت فتى مُتعَلما مُتخرِّجا من جَامعة جزائريَّة، لم تعْرف الاسْتعْمار قلتُ لها: بكل صَرَاحَة المُوظفُ عِندنا لا يَهْتم بوَظيفته، والكثير من المُوظفين لا يُعطُون الأشيَاء حَجْمَها الحَقيقي، ضَحِكت وقالت:هَذا سُلوكٌ مَحلي صِِرْف..المَسْئُول عِندَكُم يَنفخُ في أحْداث صَغِيرة وتافِهَة، ويُقلل من شأن المَسائل الكبرى والجَوْهَريَّة، وَيُهوِّن من أمْرها.. هُناك ذاتيَّة مُفرَطة..تشبِهُ العَطالة فِي فهْم الوَاقِع، كُلكم لا تحِبُون النقد وتخَافونَ من المُناصَحة، تبرِّرُون أخطاءَكم وتدعُون إلى الصّمْت والخَوْف واللامُبَالاة. 03- التفتُ صوْب صَدِيقي وقلتُ له:حقيقة أدَبُ الحِوَار عِندنا مُعطل بله غائبٌ، ونحْْن نُبالغُ فِي كلِّ شيْء ونُلغِي باللوْم على الآخَر بسُهُولة..هي ضيْفة في بلدنا، لكنهَا تُدَافِعُ عن وَطنِها وعَن مُؤسّساتها وعن تاريخ بلادِها، وتبرِّرُ أفعَال النازيَّة، هَذا من حَقهَا لكن نحْن نمَجِّد أفعَال الاسْتعْْمار ونرَى فِي ثوْرَتِنا ودفَاعِنَا عَن النفْس إرْهَابًا، قالت سَاخِرة: المُحَاور النزيه عِندَكم هُو الغَائِبُ.. أجَل..والمُوظف لا يَحْترم نفسَه ولاَ لغَتهُ ولا دَوْلته ولا قوَانِين البِلاَد، ترَاه يَتشدَّق بلغَة المُسْتعْمر فاقدًا الوَعْي، ولا ادري لماذا ينفر من واقِعه، ليْس لديْكم ضَمير مِهني بل هُو يَعِيش أزمَة ضَمِير، ليْس لكم فِكْر ولا تفكيرٌ ولا كفاية ولا تقاليد عَمَل واضِحَة، الانْحِرَاف عِِندكم سُلوكٌ.أجل..والفسَاد سَائدٌ..انتم تحْملون شمُوعًا كثيرة وقنادِيل لتضِيئُوا بها دُرُوب عَدُوِّكم وتتمَلقون، وفي بُيُوتكم الأضْوَاء مُطفأة، رفعَ الفتى صوْته وقال: ليْس كل النَّاس مُنحَرفِين قالت: كمْ مَرِّة التقيتُ بك والتمَسْتُ مِنك أورَاقا بسِيطة فهَل اسْتجَبْت؟ كنت تسوِّفُ..وفي كل مرِّة تؤجِّل طلبي.فلمَاذا تفْعَل ذلك؟ أليْسَ هَذا انْحرَافا وظلمَا وتقاعُسا عن أدَاءِ الواجب؟ أيْن أنْت الآن؟ أنت وَاحدٌ من المُوظفين الحَالمِين الفاسِدين المُفسدين..تريدُ أن تكون شيْئا كبيرًا على حِسَاب غيْرك..أليْس كذلك؟ بهُت الفتى وفزع يبحََث عن مَخْرج له.. ليتخلص من صَراحَتها وجُرأتِها..أغمَضتُ جَفني ووضعْت رَاسِي بين فخِذي ولو انشقت لي الأرضُ لدخلت أعْمَاقها..أخذت الفرْحَة تنسَلُّ من جفنيْها، عِندَما رَأت الفتى يَخرُج دُون أن يَعْتذر قالت: لذلك ذِئابنا تعْمَل مُجْتمعة وبوَفاء لبَيْئتها، وتفكرُ في الغنِيمة مُجْتمِعة، وتخطط لكل شيْء بهُدُوءٍ، ويتمُّ تنفيذ الأجْندة بعناية، بحيْث لا نترك أثرًا للوم والإدَانة، فتتحوَّل الجَريمة رُبَّما إلى وَاجِب، ونغنم لصَالح الوَطن، تاريخ وطننا خطٌّ احْمَر، أمَّا ذئابكم فلا تفكرُ في العواقب..لا تحترمُ تاريخها وثورَاتها، إنَّهَا ذِِئَابٌ حًاقدَة عَن بَعْضها حَاقدة وترْمي بنفسِها في أحْضان جَلاديها هكذا سَبهلل وبدُون سَبب، تعمل لوَحْدها مُنفردة، تبتهج بتعتِيم انتمَائها،أجل.. ذئابكم تحمل الموت على أكتافها، ويستهويها الفسَاد والطيش والظلم. تجني على أهلها كما جَنت براقش، ذئابكم تلوِّث الضََّوء، وتشوِّهُ النجُوم، وتعبث بجمال القمر..وتسْخر من المزارعين.
- هل الذئابُ تلوِّثُ الضوْءَ
- التعليقات