تنادوا:” غدا.. بِذار الحلم..”
جمعنا أحلاما خزّنّاها أجيالا في مطامرالعمر..
على مطايا الأمل حمّلناها إلى بطحاء التّنادي..
كُثرا كانوا، التحفوا الصّمت وانتعلوا الإشارة..
أومأوا بحركة واحدة إلى صندوق كبير مشيرين إلى جراباتنا الغاصّة بالأحلام أن أفرغوها..
علا نشيج أحلامنا وهي تتساقط على بعضها محدثة جلبة كأنّما نُفخ في الصّور إذ السّاعة أزفت..
صاح كبيرهم:” ذَروها.. ستنهل من بعضها رحيقا وشهدا لتزهر غدا وتمسي خلودا ينحت على صخر الخطى شجيّ النّغمات..”
وكان انتظارا..
وأضحى حصارا..
ثمّ في تابوت الأحلام بتنا أغنية ربيع مَوؤُودة…
الرّيح هوجاء يتراقص على عزفها المجنون غشاءُ أديم الفرح الشّفيف المصفرّ وأوراقُ العمر الهالكة، وسنابلُ وجد كانت ذات ارتحال كنوزا نجمعها لننثرها حلوى تهدهد وله الصّبيان..
يزدادالعزف..
_أتسمعون لحنا غريبا…؟
أصفع سكينتهم بالسّؤال.. تتناثر أبصارهم حولي ثمّ تخرّ صريعة في معاقل الصّمت..
يجيبني شيخ يغالب ذؤابة الدّرب، وأهدابه مسدلةَ تحجب الشّمس عن مرجها:” لا صدى لغير ترنيمة الأمس في النّبض..”
أصيخ سمعا.. دندنات وأهازيج وأنين ناي مشروخ..
أرفع إلى السّماء بصري.. أُلفي العاصفة تغزو مضارب غيمها ضامّة إلى فؤادها المحموم ما تحمل والكلّ فيها يتصعّد إلى الشّمس جذلا مهلّلا للتّلاشي..
وخلف الأزقّة المنسيّة تتعالى آهات سبيّة..
_أأزف موسم حصاد بذورنا ..؟

أسّاءل وأنا أكابد دربي يتعرّج ويلتفّ ولهًا بتصعّدٍ في ضمّة الفؤاد المحموم
العاصف، يوشك أن يذروني خلف بيادر الغياب..
يرفع إليّ وجها درست رسومه، واهترأت فيه خرائط العبور..
يتحسّس عينيه المنغلقتين على مجهول.. يتمتم:
_بيننا وبينه دنان انتظار تخمّرت في أقبية سُبات على توابيت الذّاكرة..
أختنق بعتمة الكلمات..
العاصفة تشتدّ..
تقتلع عُمُدا.. تجتثّ أوتادا..
تلوّح في وجه الأفق بسدّ مأرب المنسيّ وعرش بابل المطمور وجحافل بني غرناطة يشقّون البحر زادُهم أعراس وعربات تجرّها خيول تاهت عن فوارسها، وصولات أبي زيد الهلالي ومجامر قِرى بيت القصيد.. فيتكوّر فيه جنينُ غدٍ يرتشف ثمالة فرح ويوقف عقارب ساعة المخاض..
الشّمس يُرجفُها الفزع.. تختبئ في حضن غيمة بلا ضرع..
البدر ينتحب يرثي الضّياء..
في كلّ نبض تتعالى آهات سَبيّة..
أرى وجهه يَأْلَق كعاشق يلاحق آخر همسات الحبيبة..
أتشظّى بين الشّكّ والكشف.. أهمس بكلمات مُرتجفة:
_ وجه المدينة أتون دماء.
يتمتم:
_ في قفاها يُزهر فجر..
أقاطعه:
_ عيناها تغرقان في وهاد الدّجى.
يردّد:
_ بين أهداب جفنيها يُنتسج الضّياء للأفق مَهْرا…
أضجُّ.. أصيح:
_ الأفق مصلوب على وجنة السّماء.
ببرودة الجليد في رحم القُطْبَيْن يردّد:
_ بل فَتَنَك وَهم.. شُبّه لك.. هو كَهَطْل المُنى ينساب دهرا
_أنّى له ذلك وما كانت أمّه العذراء..؟
_ بين أنّاك و”كانت” يقضم غول العجز عمرا وعمرا..
تزلزل كلماته يقين مَرآي..
أتكوّر على وليد التّوق إلى سَكن، أمسح عن وجهه لزاجة رحم السّؤال..
بين أصابعي المرتجفة يفتح عينيه..
تَسَّاقَط إليّ عراجين رُطَب كَشف جوفاءُ..
أمدّ يدي أُلقمه حلمة الوجل..
تصّاعد فيّ حرائقُ ظمإ وعويل..
العاصفة تنأى بالأوتاد بعيدا.. تضجّ بثورتها فيهدأ مرجلها..
تتناثر أوتادنا من قبضتها في سحيق الوهاد..
على صخرة خَطو تفحّم فيها النّضار أترك وليد التّوق يلوكه إملاق وَهْم..
بين تلال الصّبر ووهاد الوهن أسعى، ألملم شتات الحنين إلى خيام كانت تعجّ بحكايا الصّبايا وهمس العشق في جراب الأماني كلّ سَحَر، ويقين العجائز بدفق الشّباب ذات مطر ..
تسرقني خُطاي من المكان والوليد على صخرته يركل الخواء، يذبّ الضّجر..
سريعا تخذلني ووتدٌ بَعْدُ شريدٌ في وَهْدٍ خلف علّة القَدَر يتوارى..
أؤوبُ..
الصّخرة تشقّقت كرمّانة ضجرت بحبيباتها..
تحت كاعبي الوليد تفتّح زهر وامتدّ مرج وارتفعت عُمُد قلاع وانساب نهر..
أفرك عينيّ..
أقرص خدّي..
أصيح:” آه…”، ولا يتبدّد ما أراه..
أتحسّس جبيني..
“محمومة أنا..” أصيح.
من تحتي ينادي:” لا تفزعي.. ”
تسّاقط نظراتي عليه..
متشرنقا في جدائل الفرح يرنو إليّ ولها..
أنادي:” أيا توقُ ألقمْتُك وجلا.. فأنّى يكون للوجل ربيع؟
أنَّى بهَطل رماد الفعل ينبجس نَماء..؟”
إلى الأفق يمتدّ بصر الشّيخ سبائكَ من ضياء.. يغمز لوليد التّوق، يسحبه، يتبعه، خلفهما تتدافع الخمائل تنشد نحلا وفراشا وعاشقا بشذى الزّهرة يسكر فينسج غزلا به تزهو بلابل الشّعر..
أغالب صوتا في غمرة التّيه تحجّر..
أنادي: “يااااا…”
يرتدّ إليّ أنين الصّدى..
أدندن :
“يا ساحر الحرف تمهّل..
هنا.. شَدّني نبضٌ عليل
من ضرع الصّخرة المنجاب ينهل
عسى الشّمسَ من خدر الضّياء إليه تميل..”
يتناهى إليّ نشيد الأفق يزفّه إلى الغد البعيد، يكلّله بالآس والنّسرين، يطوّقه بالغار والياسمين، يسوّيه على عرش المُنى فتخرّ له الأحلام ساجدة في محاريب العَين.. ويعانق الزّمن بدأه ومنتهاه..
أضرب الأوتاد حيث انبجس النّضار..
أوتادنا ثملة بأهازيج النّاي المجنون في وريد العاصفة..
تَتَزأْبق بين يديّ..
تُمسي صلصالا أو كومة طين..