حين تم صرفه من سراي النيابة، لم يكن ذلك بسبب عدم كفاية الأدلة، أو تضارب أقوال الشهود، أو براعة المحامي في دحض التهمة، وحشد أدلة البراءة.
على العكس تمامًا: لم تكن له حجة غياب معتبرة وقت وقوع الجريمة، بل ذكر الكثيرون أنه آخر من شوهد خارجًا من غرفة الزيارة، بالمشفى حيث يرقد الضحية، الأدهى من كل هذا اعترافه الكامل بالجريمة وعدم نكوله عنه، -والاعتراف سيد الأدلة- وبصمات يديه الثابتة على عنق الضحية.
راب المحققَ دموعُه الغزيرة التي لم تكن أبدًا دموع ندم، فقد أحسّ أنها دموع خوف مبهم، فاستعجل تحريات المباحث، وتقرير الطب الشرعي.
أثبتت التحريات وجود ثأر له عند القتيل، الذي سبق أن قتل أباه من عشرين عامًا.
كما أكد الطب الشرعي موت الضحية، نتيجة صدمة عصبية شديدة، وانهيار حاد في الدورة الدموية.
استند المحقق في قراره إلى قناعته بموت الضحية، مصدومًا برؤية الجاني المفاجئة، واعتقاده بحضوره للثأر منه، مما يفسر نظرة الفزع والرعب التي ارتسمت في عينيه.
أما الجاني فقد كان مُكبلًا بالتقاليد والعادات البالية، التي تحتم عليه قتل قاتل أبيه، لكنه حين امتدت يداه إلى عنقه كان يخنق جثة، أما اعترافه الزائف وبكاؤه الشديد، فقد كان خوفًا من عائلته، والعار الذي سيلحقه، جراء عجزه عن أخذ الثأر.

أضف تعليقاً