لم يكن هلعي هذه المرّة، وأنا معلّقة بين السماء والأرض، مُغمِضةً عينيّ وواضعةً سماعاتٍ في أذنيّ كيلا أسمع ولا أرى الارتفاعات الشاهقة التي أعوم فيها، إنَّما المطبّات الهوائية العنيفة التي جعلت من هذا الهيكل الحديدي الضخم، طائرةً ورقية تعبث بها الريح، كادت تقتلعني من مكاني، وجعلتني أتشبّث بمقعدي بيد، وبكتف المرأة الجالسة بجانبي باليد الأخرى… تبعثرت نظراتي مستنفَرة تلتقط انفعالات الآخرين، معظمهم نيام، إلاّ طفلاً يبكي وأمّاً تهدهده.
تسمّرت عيناي على الرجل الذي يجلس على المقعد في الجهة الثانية الموازية، أكاد أعرفه، لست متأكدة… نسيت خوفي وركّزت على جانب وجهه الذي بالكاد أتبيّنه، تقاذفتني رغبات متناقضة، بين خوف أزليّ يسكنني كلّما سافرت حين يكون الجوّ عاصفا كما هذه المرّة، وبين رغبة جامحة أن أرى وجهه كاملاً، ذاك الذي خفق قلبي له دون أن أتأكّد من يكون، مغتنمةً الفرصة حين هدأت المطبات الهوائية، قمت وأنا أتأرجح، قصدت دورة المياه، ولم أكن بحاجة لها… الماضي يخفق في داخلي كطيرٍ سجين، بخوف وشوق ولهفة وحنين، انطلق العصفور الحبيس في صدري وحطّ على وجنتيه، إنه هو، نعم هو… ذلك الحبيب الذي قال لي يوماً ونحن نحتمي تحت مظلة، والسماء تكتسي غيوماً كثيفة: ” تشرق الشمس حين تبتسمين “، ضحكتُ؛ فأمطرتْ بغزارة!… وركضنا كأرنبين يلهوان تحت زخات المطر.
امرأة في منتصف العمر تجلس إلى جانبه، خمّنت أنها زوجته، وجهه مُتعب وغاض رونقه، ولحية بيضاء صغيرة أضافت له اتزاناً وهيبةً، وسرقت عنفوان شبابه وطيشه… تساءلت وأنا أعود إلى مقعدي ذاهلةً: هل رآني؟ هل عرفني؟ لا أظنّ؛ فقد كان مُنهمكاً، يقرأ
في قاعة الوصول، تعمّدت أن أقف قريبةً منه كي أتناول حقيبتي، مددت يدي لألتقطها؛ فكانت يده أسرع، وضع الحقيبة إلى جانبي، هامساً تسلّل صوته إلى مسمعي، دافئاً كما يوم أمطرت:” هل غيّرتِ عطرك يا ندى؟ “.

أضف تعليقاً