اليوم الجلسة الأولى لمحاكمتي، لم تعد هناك حاجة لممثل إدعاء ولا حتى مستشاريين، يكفي قاضٍ واحد. انتقل ميزان العدل المثبت على الحائط لصورة على “التابلت” تظهر و تختفي بعد بضع ثوان أمامه.
أشار بيده ليبدأ العرض..
أطلقت الكاميرا المثبتة في مدخل شقتي أشعة اخترقت العمود المصلوب أمام غرفة نومي، ضوء أحمر خافت أظهر عراكاً بين خيالين، سبقه تبادل صراخات، حتى تجلط الضوء الأحمر على الأرض..
أرسلت الأشعة إشارات لاسلكية استقبلتها أجهزة الشرطة الرقمية فقامت بدورها إصدار تنبيهات رنت في أذن المختص تأهب على إثرها طاقم الأمن المدجج بأسلحة ذاتية لا تنفك عن أجسادهم. في لا زمن كنت على كرسي الإتهام، لم أتكلم ولو بكلمة واحدة، فقد عقدوا لساني و أطلقوا بصري، سلك المعلومات المثبت بطوق على رأسي متصل مباشرة بجهاز كشف الحقائق.
اخترقت عقلي ذبذبات سرت مع الشريان و الوريد في مجرى دمِ واحد جنباً بجنب ثم فُتح الصندوق الأسود.
خرج من طرف السلك قلم ضوئي سطر أحداثاً و رسم إحداثيات أُنتقيتا بعناية، فوجدت ومضات فاصلة من تاريخي تُعرض أمامي، فأُختزلت أوقات واختفت تحقيقات و سُهلت إجراءات، فكانت الحقيقة جوفاء مجردة بعيدة عن أي روح أو عاطفة. فغر فاهي تعجباً و إعجابا؛ فازددت خوفاً و قلقاً.
الدفاع أونلاين فلي حق إختيار من يدافع عني من أي مكان في العالم، نسخت ملف إتهامي الذي تم مشاركته فظهر أمامي على شاشة مثبتة في محبسي. بمجرد أن ضغطت زر أطلب الدفاع؛ إنهالت العروض لأوكل أحدهم، فلم أعاني مشقة الإختيار فقد رتبهم الذكاء الإصطناعي تبعاً لأعلى تقييم.
إخترتُ أعلاها و لا أعلم لماذا التمسك بشرط توكيل من يدافع عني لا يزال قائماً.. أخذ الملف رتبه بشكل مدروس ثم غير ترتيب سطوره بتلقائية بارعة، ثم خلص للملف المرئي، وبآلية معروفة أعاد تشغيله بتقنية أكثر تفحصا، فأظهر خيالات مخفية، اكتملت الصورة بعد ما انضمت إليها صورة شخص أخفيته في الجزء المظلم من قلبي، و ظننت أن نساه عقلي، حين لملمت ضعفي بعدما لطمني على قفاي و بصوتٍ لا يستحي أسمع المارة ألم أخبرك مراراً لا تسلك هذا الطريق؟! أطأطئ رأسي و لم أنبس ببنت شفة و أمضي.
و أخرى لم أستطع الحديث عنها حين كنا صغاراً عندما تسلل طمعاً في محارمي، فلما كررها اليوم فما كان إلا الضوء الأحمر الذي خالط دماؤه الأرض.
حلوا عقدة لساني، أخذتُ أحركه يمنة و يسرة كالذي يدرب قطعة من جسده بعد كسر شديد أو صدمة عنيفة، و تحول الشعاع الضوئي الذي كان مسلط على رأسي لذلك القابع خلف “التابلت” تستخرج مكنون عقله و نفسه و أنا أنظر إليه شزراً و أصابع يدي ترسم على وجهه لوحة الماضي، ثم تبدأ جولة قصاص للمستقبل يتأهب لها الذكاء الإصطناعي.

أضف تعليقاً