1- ليْسَ عَلَى الحَمَائِم إثمٌ أنْ تَتَوَارَى وَتتَخَلفُ عَنِ السِّرْبِ، وَليْسَ عَلَى الصَّقورِ حَرجًا إنْ هِيّ هَاجَرَت البَيْتَ، وَليْسَ لهَا سَبِيلاٌ غيْرَ الاخْتفَاء والهِجْرَة، فالطُّرقُ مَسْدُودَة بالصَّمْتِ، وَالأجْوَاءُ حَزِينَة كئِْيبَةٌ، وَالْقتلَةُ يَتكَاثَرُونَ فِي البَرَارِي ويَتوالدُونَ، والمَطلُوبُون أمْنيَّا أكثرَ، فأهْلُ المَدِينَة هُمْ فِي رِحْلَة العُمْر الشَّاقَة إصْغَاءً لمَا يَقُولُهُ السُّكُونُ، الشَّجَرَة مَازَالتْ وَاقِفَةً مُتمَاسِكَة الجُذُور، في أفيَائِها يَرتاحُ المُسَالِمُونَ، تَحَْنُو عَلَى أبْنَائِهَا البَرَرَة، تمُدّهُم بِظلٍ ظلِيلٍ وثِمَار شَهيّةٍ، يَمْتدُّ الظلُّ ليَشْمَلَ المُرحَّلينَ والتَائِهينَ مِن خَارِج الحُدُودِ وَالذِين انقَطَعَت بِهِم السُّبلُ، وَالقَادِمِِين مِنْ بَعِيدٍ.
مَالَهَََا الْحَمائِم تَزِقُّ الطَعَامَ وَهِيّ مَذعُورة؟! ولمَا ذَا هِيّ فِي حَرَكَةٍ دَءُوبَةٍ تَتنَقلُ من شَجَرَة إلى أخْرَى تغدُو وترُوحُ بدُون سَبَبٍ؟ مَا هَذِه الأوْرَاقُ المُنتَحِرَة المُتناثرَة والأغْصَان المُترامِيَّة؟ مَاذَا أرَى هُناكَ؟ يَا إلَهْي إني أرَى أشْبَاحًا تَتوَارَى خَلفَ التِّلاَلِ، والطرُق مَترُوسَة بالخَوْفِ، فِي هَذِهِ الأثنَاءَ أقْبَلَ رَجُلاَنِ عَائِدَانِ لِتَوِّهِمَا مِنَ السَّفَرِ وَجَلَسَا يَتَجَاذبَانِ أطْرَافِ الْحَدِيثِ، كَانَ أَحَدُهُمَا ذِي الْجَلبَابِ الْبُنِيِّ وَالعَمامة المتدليَّة صَحَفِيًا يُقدِّمُ نَفْسَهُ عَلَى أنَّهُ داعيَّة، يَكْتوِي بِدَاءِ التَهْمِيشِ،مُدَجَّجٌ بالإلْغَاءِ، يَقرَأُ لِكبَارِ العُلمَاءِ ويُحَقِّقُ فِي الْمَخْطُوطَاتِ النَادِرَةِ، ولاَ يَلبَثُ أَنْ يَقُولَ بِأنَّهُ إعْلاَمِي مَظلُومٌ، يَرْفعُ صَوْتَهُ وَيَتَحدَّثُ بِحَماسٍ، إنَّهُ سُيغَادِرُ الْبِلاَدَ التِي تُهِينُ الرِّجَالَ وتزْدَرِي مُثقفِيهَا، سَيَذْهَبُ إلَى حَيْث يُؤخَذُ بيَديْه ويُبرُّ ولا يُؤخَذ بِرِجْلِهِ ويُجَرُّ عَلَى رَأْي الْْمَثلِ. بينمَا الآخر كانَ يَتحَدَّث بنبْرَةٍ غَريبَة، يَبْدُو عَلَى وَجْهِهِ الْوَقَارِ وَالْجِديّةِ، كَانَ يَرْمُقُ الْمَشَايخ وهُمْ يَتنَاوَلُونَ الشَّايَ، فِي إحْدَى الزَّوَايَا الْقُرَآنِيَّة، كَانَتْ الْعُيُونُ مُحَدَّقَةٌ فِيهِ وَالآذَان صَاغيَّة تلتهِمُ همْسهُ، أخَذَ يَدْخُلُ وَيَخرُجُ، فَجْأةً انْسَحَبَ، لَمْ يُكلف نَفْسَهُ عَنَاءَ الاعْتِذَار، يطلقُ تنهِدَةً عَمِيقة وهو يَجتازُ عَتبَة البَاب مُتوجِّها إلى الوضاية، في وضع غيْرُ طبيعِي، الريَّاح ورَذَاذُ المطر أبقيَاهُ مُنقبضًا في أحَد الأروَقة المَهْجُورة، كانَ يشْعر بالغرْبَة في مَكانه، قبْل صَلاة الجُمعة جَمَعَ أغرْاضَه ودسّها في حَقيبةٍ سَودَاء، ثم لمْلم بعْض الأوْراق، أخَذ يُقلبُها ثم يُعِيدُ ترْتيبها، أوْدَعَها جَوْفَ مِحفظة مُنتفِخَة، ومن دُون ضَجيج انسَحَب
لم يذْكر أحدٌ شيْئًا عن رَحِيله، إنَّه يمُر كنسْمة صيْف عَلى الذِين وَقفُوا في البَهْو ينتظرُون، يتوَغل في ذلك الدّرب من الوَادِي، يَلتفتُ يمْنة ويسْرَة ويقول:” وفي كل وادٍ بَنُو سَعْد”.

2- وبينمَا هو يُتابع حَرَكَةَ سِرْب الْْحَمَام تَتقدَّم مِنْهُ امْرَأة هَضِيم تَحْتضنُ رَضِيعَهَا تَضُمُّه إلى صَدْرِهَا وَتشِير إليْهِ بهُزْء: ألسْتَ أنْتَ سِي الطيب الذِي قتلتَ زوْجَها ؟ أمْ هُو صَاحِبُك، أم أنتمَا معًا قال: لا أنا ولا هُو، قالت: وهيّ تكرّرُ أسئِلتهَا الْهَازئِة ألسْتَ أنتَ الذِي كُنْتَ تُرَافِق مَجْمُوعَة مِنْ الغُربَاءَ إلَى بَيتنا؟ آه..كُنْتَ كَالعَنكبُوت تَنشجُ خُيُوطًا حَوْلُ الأبريَّاء ثم تنقضُّ عَليْهِم بوَحْشيّة، فَعَلتَ هَذَا أمْ أنَّك كنْتَ تُخْفِي أسْرَارًا أخرَى عَصِيَّة عَن البوْح؟! يَرْمُقُهَا باشْمِئْزَازٍ، ويُطوِّقهُ الذُّهُولُ، لَمْ يَجِدْ وَقتًا للتفكِير ولمْ يَتَحَمَّل الاهَانَة، لعَلّهَا أصَابَتْ كَبِدَ الْحَقيقَة وَأفشَت سِرًا فأنْدَفَعَ نَحْوَهَا هَائجًا يَضْربُهَا ضَرْبًا مُبْرَحًا، وَيَسْحَبُهَا ليَرْبِطَهَا إلَى جِذْع شَجَرَةٍ وَيترُكُهَا تَئِنُّ أنِينًا يُشبهُ الصُّراخَ، يَأخُذ الطفْل الرَّضِيعَ مَعَهُ وَيرْحَل لتوِّهِ، مَجْمُوعَة نِسْوة شَاهَدْنَ الحَدَث، وَالتقطنَ صُوَّرًا وَبَلغْنَ مَصَالحَ الأمْن، اسْتَعَادَتْ وَعْيَهَا واسَتَفاقَتْ عَلَى وَقعِ دَقاتِ قلبِهَا المُتسَارَعَة، وَصَاحَت أَيْنَ الطفلُ جَلاَل؟ أينَ وَلدِي؟ يَا وَيْلِي خَطفُوا وَلَدِي..!هَرَعَت مُتعَثرَة لتسْبَقَ كُلَّ المَسَافَات وتحْتضِنُهَا، تداهِمُها المُنعَرَجَات وتسَلِّمُهَا لِلفَزَعِ، لَمْ تَجِدْ وَقتا للتفْكِير فَاكتفَتْ بالصُّرَاخ والعَوِيل وَالدّمْع الهَتون، َيتسَلل الجَانِي كَالثعْبَان عَبْر مَسَارِبَ الوَادي ليتوَارَى خَلفَ الدُّرُوب؛ فِي هَذَا الْجَوِّ القاتِم الِمُكفَهر لمْ يُطاوعْهَا قلبُها أنْ تتوَقَّف لَحْظة لتَبْتلِع أنْفَاسَهَا الضَّائِعَة، بَلْ وَاصَلتْ الرَّكْضَ مُقتفيَّه أثرَهُ، وَمَا إن رَآهَا مُقبِلة عَلَى تِلكَ الْحَالةِ حَتَّى تَهَيَّأ لفِعْل شيْء، بِوَحْشِيَّةٍ وبِدُونِ مُرَاعَاةِ مَشَاعِر الأُم، أشْهَرَ خَنجَره وَهمّ َبِذبْح الطفْل هَكَذَا تظَاهَر وَرَوَّج لفكرَةٍ لَعِبَتْ فِي ذَهْنِهِ، فَتوَقَفَتْ واحتبَسَت الدِّمَاءُ فِي عُرُوقِهَا، وأخَذَتْ تلطمُ خدَّيْهَا وتتوَدَّدُ، في هذِه اللحَظات الحَرجَة وقفَ على حَافة الوَادِي رجُلٌ نحِيف أفطس أحدَب الظهر رَثّ الهَيئة، أشعَث الشَّعر أغبَر عَليْه أثرَ السَّفر، أخَذ يَنْظر إليْهِمَا باحْتقانٍ ويَرْفعُ صَوْته سَاخِرًا: نُوحِي يَا حَمامَة نُوحِي..وأنا أنوحُ مَعك؛ مدّت يَدَهَا مُرتعِشَة وبخَجَل طافِح وحُزْن شَدِيدٍ لتصَافِح الدِّرْويش وهيَّ تسْتعْطِفُه وتترَجّاهُ أن يَفعَل شيْئاً، وهيَّ لا تعلم أنَّهُ مَعْتوه، فيَمْنعُها الخَاطفُ ويُحذِّرُها إنْ هيَّ حَاوَلت الاقترَابَ مِنهُ، فيرْفعُ الدّرويشُ صَوْته مُجَلْجَلا ويَقول: أنَا شَاعرٌ مَضَريّ، ألا تذكُر مَا قلتُ ذَاتَ تحَدٍّ؟ ومَاذا قلت أيّهَا الخَائب. قلت : “. إذا ما غَضِبْنَا غَضْبَةً مَضَرِيّه**هَتَكْنَا حِجَابَ الشَّمْسِ أوْ أَمْطَرَت ..” ههههه: أنتَ أيُّهَا الأحْدَب تقول شِعرًا..! أنَا قلتُ هَذا وسأبَرْهِنُ لك بأنِّي إذَا ما غَضِبتُ هَتكتُ حُجُبَ الشَّمْسِ، وأخَذ من الثوْر هَيَجَانُه، وارْتَمَي على الخَاطِف بقوَّة يسُدُّ أنفاسَه، فَيَسْتسْلمُ وقدْ خارَتْ قِوَاهُ، تتقدَّم الأمُّ مُتلطفة خائِفَة وتَنتشِل الرَّجل من بَيْن مَخَالبِِه ، ثم أخَذَت رَضِيعها وهمّت بالانْصِرَاف،”والهَزيمَة تشْعَلُ الجِرَاح”.

3- خَطَتْ خَطَوَاتٍ مُتَعَثِرَةٍ، فَتَرَجَاهَا أَنْ تَتَوَقَفْ وَتَسْمَعُه، رَعْشَة اللِّقَاءِ أزَاحَت عَنْ وجْهِِهِ الْحُزْنَ فَانْبَرَى يَقُولُ: كُنْتُ مُحْبَطًا سَاعَة اللِّقَاء بِكِ ، وَزَوْجُكِ هُوَ السَّببُ فِي شَقَائِي وَتشْتِيت شَمْلي، أنْقذتُهُ مِنْ مَوْتٍ مُحَققٍ، قَالَتْ : إذًا هُو حَيٌّ لم يَمُتْ ؟ أجَلْ ..وَهُوَ مَوْجُودٌ ومُخْتفِي عَلَى بِضْعَة أذْرُعٍ مِنْ هُنا، أخَذتُ الطِّفلَ مِنكِ لأقُولَ لهُ جَاءَ طِفْلُكَ يَسْترْضِيكَ ويُرَافِقُكَ إلَى البيْتِ، أمْطرْتِنِي تُهَمًا وَتخْوِينًا وَاسْتِفزَازًا، كُنْتِ مُتسَرّعَة جِدًا عِندَمَا ثوّرتِ مَشَاعِرِي، وَكنتُ أنَا لَحْظتهَا مُحْبَطًا، حَالَ بَيْنَناَ الْمَجْنُون وأفْسَدَ المَوْضُوعَ؛ مَوْضُوعَ مَاذا؟ قَال: إذا تأزّمَتْ الأُمُورُ فانْتَظِري فَرَحًا وَفَرَجًا، وَقَدْ قِيلَ:”.. إذَا أشَتَدَّ الْحَبْلُ انْقَطَعَ..”. وَبَيْنَمَا هُو يَتَحَاوَرُ مَعَهَا فَإذَا بِزوْجِهَا يَخرُجُ مِن بَيْنِ الأشْجَارِ مُتفَرِّدًا مِثلَ ذبَابَةِ الشِّتَاءِ يَتَغذَى عَلَى حُلمٍ مُتأسْنِم، ويَلتَحِقُ بهِ رَجَلاَنِ طَاعِنَان فِي السِنِّ وَقدْ كَانَ يُتَابعانِ مَا جَرَى، انْتبَهَتْ نحَوَهُم مَبْهُوتَة وَشَهِقَتْ، إنَّهَا وَسَطَ قَطِيعٍ مِنَ الذُّكُورِ، ألَيْسَ هَذَا زَوْجُهَا مَعَهُم؟ أيْنَ كَانَ؟ وَقَفَ أمَامَهَا مُتمَلِّقًا كَأنَّهُ بَرِيءٌ مِمَّا ارْتكَبَ مِنْ آثامٍ، مَنحَتْهُ مَالهَا فَغَابَ عَنْ الأنظار ثمَّ عَاد وضَغطَ عليهَا لتتنازلَ له عَلى سَكنها الذِي بنتهُ من مُدخرَاتِها، يَسْتوْلي على السَّكن ويتزوَّج ويَطرُدُهَا لتسْكُنَ حُجْرَة مُنفَرِدَةً مَعَ أطْفَالَهَا آه.رَفَعَتْ صَوْتَهَا غَاضِبةً..آه.. مَنَحَنِي الوَهْم وَمَنَحَتُه حَيَاتِي فَاخْتَفَي وَتَمَرَّدَ، وَهَا هُو ذَا يَظْهَر مُتسَتِرًا، أخْشَي أنَّهُ يُخْفِي فِي نَفْسِهِ ا.شَيْئًا.
4- أدَارَتْ ظهْرَهَا وَأصْغَتْ إلَى صَخَبِ الْمَكَانِ وهَمْسِ الرِّجَالِ، وَقَدْ اشْتَبَكَتْ هَوَاتِفَهُم الْجَوَّالَةِ وَتعَانَقَتْ الْكلِمَاتُ، فرَكِبَتْ صَهْوَة الوَجَعِ وَصَاحَتْ: يَا وَيْحِي هَا أنْتَ ذَا ؟! أين كُنْتَ؟ ولِمَاذَا اخْتفَيْتَ؟ يَسْألُهَا بِصَلفٍ: مَنْ جَاءَ بِك إِلَى هُنا؟ يُباغِتُهَا السُّؤَالُ..! تكظِمُ غَيْضَها وتَرفعُ حَاجِبَيْهَا مُسْتنْكِرَة السُّؤَال! وأنتَ مَنْ جَاءَ بِك إلَى هُنا؟ أيْنَ كَنْتَ ؟ مَن كَانَ السَّبَبُ فِي تَشْتِيتِ شَمْلِ العِيَّال؟ ومن هَؤُلاَءِ النَّكِرَاتِ ؟أمطرته َبعاصِفة من الأسْئِلَة تَنَاثرَت عَلَى رَأسِه، ثم حَدَّقَتْ فيهِ بعْدَ أنْ أطلقَتْ زَفرَةً شَاتِمَة، وَمِنْ جَدِيدٍ ترْفَعُ صَوْتَهَا: مَنْ جَعَلَكَ تَهْرُبُ مِن بَيْتِك؟ مَا عَلاََقتك بِهُؤَلاءِ الأوْبَاش، خَفافِيش الظلام، أصْحَابُ الأرْوَاحِ المُظلمَةِ، وَمَا شَأنُكَ بِهِمْ ؟ أفْحَمَتْهُ كَلِمَة الْهَرَبِ وَالأوْبَاشِ، فَقَالَ: سَأعُودُ إلَى السُّؤَال مَرَّة ثانيَّة من أتََى بِكِ هُنَا؟ وتُعِيدُ عَليْهِ نَفْسَ السُّؤَال وبِتَحَدٍ صَارخٍ تقول: مَنْ جَعَلكِ تَهْرُبُ مِنْ بَيْتِكَ أيُّهَا الْخَائِب ؟! وأخَذَتْ تُحدِّقُ فِيهِ بِضْعَ ثوَانٍ؛ وَفي حَمْئة الْمَكَانِ أدَارَتْ ظهْرَهَا مُسْتنْكِفَةً وَفَجْأةً التفَتَتْ مَفزُوعَةً…الأمْنُ يُطوّقُهُمْ، صَارَتْ تُصْغِي إلَى صَخَبِ الْمَكَانِ، أصْوَاتٌ هَادِرَة وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ ومِنْ حوْلها يَهتزُّ الْمَوجُ، تهب النّسَمَاتُ الْحَزينَة، تتزَاحَمُ الْكَلمَاتُ عَلَى مَرَاشِفِ شفتيْهَا، فيَرتعِشُ مُتوَدِّدًا يُرِيدُ مَخْرَجًا، تَنتَفِضُ مَفْزُوعَة تَذْرَعُ الْمُنْحَدَرُ جيْئة وَذَهَابًا، وَعَلامَاتُ الخَوْف والذُّعْرِ بَادِيَّةً عَلَى وَجْهِهَا، وَمَا إنْ تقَدَّمَ الضَّابِطُ نَحْوَهُم وَطلبَ مِنَ الطيِّبِ إخْرَاجَ وَثَائِقَهُ حَتَّى صَرَخَتْ فِي وَجْهِهِ؛ مَنْ دَعَاكُمْ إِلَى هَذِهِ الْوَلِيمَةِ؟ ارتجَّ الضَّابِطُ وَقَالَ: وَلِيمَةُ مَاذَا؟ قالتْ نَحْنُ في انْتِظَارِ وَلِيمَةٍ فِي الوَادِي..! يَا امْرَأَة جِِئْنَا مِنْ أَجْلِ إنقَاذِكِ؟ وَصَلَنَا بَلاَغٌ بِأنَّكِ تَعَرَّضْتِ لانْتهَِاكٍ وَتحرُّشٍ قَالَتْ: وَهِيَّ تُرِيدُ إخْفَاءَ أسْرَارِهَا إِلَى حِينٍ، لَمْ أبَلِّغْ عَلَى أَحَدٍ قَالَ: وَهَذِهِ الصُّوَّر الْحَيَّة الْمُلتقِطَةِ مِنْ أَعْلَى الْجِِسْر..! قَالَتْ : هَذَا تَمْثِيلٌ بَارِعٌ قَالَ: وَهذا الرَّجُلُ الذِي يَضْرِبُك بِوَحْشِيَّة وَيُقيّدُكِ وأنْتِ تَقُولِينَ هَذاَ تَمْثِيلٌ ؟! أجَلْ. وَالْمَجْنُونُ الَذِي يَهْجُمُ عَلَى الرَّجُلِ وَأنَا الذي أنْقذْتُه ألَيْسَت هَذِه مَسْرحيَّة عَابِِثةٌ ؟! ياهَذَا نحْنُ الذِين تَرَكْنَا بُيُوتنَا وَجِئنَا هُنَا إلَى الوَادِي لِنتَحَدّثَ وَنتخَاصََمَ أليَسَتَ هَذِه مَسْرحيَّة ؟! نِسَاءٌ خَرَجَنَ مِنْ بُيُوتِهِنَّ الَّتِي لَمْ تَعُدْ تَسَعْهُنَّ وَهِمْنَ فِي الطرُقَات بلا هَدَفٍ، وَهُنَّ على أسْوَارِ الْجُِسُور مُعَلقَات، وعلى ضِفَافِ وادٍ مَهْجُورٍ يَقِفنَ كَالأشْبَاحِ، أليسَت هَذِهِ الْمَشَاهد المقزّزة مَسْرَحِيَّة عابثة بحَق تُنْبِئُ بشَرٍّ مُسْتطِير، وَتَشِي بِإثمٍ عَظِيمٍ ؟! ابْتلعَتْ مَرَارَتهَا بنبْرَةِ الحَسْرَةِ والتأسف، وَمَشَتْ بِخِفَّة وَرَشَاقَةٍ رَافِعَة الرَّأْسِ مُعتَزَّة بِنفْسِهَا وهِيَّ تقول: دَعُونَا نُكمِلُ الْمَسْرحِيَّة، فَيَنْسَحِبُ رِجَالُ الأمْنِ، وَتسْمَعُ هَمْسًا يَقُولُ: يَجِبُ أنْ لاَ تَنْفَلِتُ مِنْ قبْضَتِنَا، فَتَحْتَاطُ للأمْرٍ وَهيَّ تلَتَحِفُ بِالأَلَمِ وَقلبُهَا يَذُوبُ فِي طِفلِهَا، تَطلُبُ مِنْ زَوْجِهَا وَبصَوْتٍ مُرْتفَعٍ مُرَافَقتهاَ إلََى البيْت فيتملمَل وكأنَّه يَنتَظِرُ إذناً.

5- تمْشِي الهُوَيْنى مُتقَطِّعَةَ الأنْفَاس مُعْتذِرَة؛ يَخْطُو زَوْجَهَا عَلَى حَافَةِ التُرْعَةِ خَطَوَاتٍ بَطِيئَةِ مُتَعَثرَةٍ، يَعْترِضُ سَبِيلَهُ ذَلِكَ الإعْلامي الذِي تصَّعَلك، يَوجِّهُ لهُ لكْمَةً، يُشْهِرُ سِلاَحَهُ مُهَدِّدًا متوَعِداً، تضَعُ ألأمُّ طِّفلَها جَانِبًا، تَهْزَمُ خَوْفَهَا، تنتصِرُ عَلَى الْهَوَاجِس، تَضْرِبُ المُهَاجِِمَ بِقوَّةٍ عَلى رَأسِه فَيَفقِدُ تَوَازُنَه، يَسْقُط فِي الترْعَة مَطْمُورًا فِي الْوَحْلِ، تسْتوْلِي عَلَى سِلاَحَه، وَعَلَى اْلفَوْر تُطْلِقُ عَلَيْهِ النارَ فَتِصِيبَهُ فِي ذِرَاعِه، يَخْتَفِي رِفَاقَهُ كَالأرَانِبِ، وَيَبْقَى الزَّوْجُ مَبْهوتًا، وَعَلَى حِينِ دَهْشَةٍ قدِمَ أفرادُ الأمْنِ، كَانُوا مُتخَفِينَ يُتابِعُونَ الْمَشْهَدَ عَنْ قرْبٍ، تَعْترِفُ بِإطلاَقِ النَّار عَلَى الْمُهَاجِم مِنْ سِلاَحِه، الرَّجُل َيتألَّمُ وَيَعْترِفُ بخَطئِه وَمَا ارْتكَبَ مِن آثامٍ، فَهُو الذِي أشْهَرَ سِلاَحَهُ بِغَرَضِِ التَّخْوِيفِ وَانْتُزِعَ مِنْهُ، الَمَوْقِفُ مَهِيبٌ،لاشكَّ أنهُ يُعْطِيكَ صُورَةٌ عَنْ هَذِهِ الطَحَالِبَ التِي لَفَظَتْهَا الْمُجْتَمَعَات، فرَاحَتْ تمْلأ الدُّنيَا ضَجِيجًا، وَتُُشَََغَل النَّاسَ وتُرْهَب الآمنِين، كيَّانَاتٌ أسَاءَتْ لِنَفْسِهَا وَلِغَيْرِهَا وَلِلأوْطَانِ، إنَّهُم نَمَاذِجَ الْفِتنَة وَالتَحْريضِ عَلَى الْعُنْفِ، عِصَابَات تَشَكَّلتْ من الفراغ لتفخِيخِ الأوْضَاعِ وتَسْمِيم الْعَلاقَات الأسَرِيَّة، الشُرْطة بَدَأتْ فِي مُطَارَدَةِ أفرَادِ العِصَابَةِ، وَسَطَ مَسَالِك مُلتوِيَّة وَدُرُوبٍ وَعِرَةٍ ، يَنْهَدِمُ جِسْرُ الْعُبُورِ، وَيَتزَايَدُ السَيْل الجَارِفِ عُنفًا.

6- يَعْلُو هَدِيرُ الوَادِي ليُغيِّر مجْرَى الأحْدَاثَ، أفرَادُ العِصَابَة يَلوكُون الْهَزَائِم والأمْعَاءُ تتمَزقُ، وَقد وجَدُوهُم عَلَى ضِفاَفِ الوَادِي جُثثا هَامِدَة ، عُيونُهم تُبحْلقُ بِلاَ مَعْنى، خَاف الثلاثة وَارْتعَبُوا وَمَشَوْا مُتعَثرِينَ، هَبَطَتْ دَرَجَاتُ تَفْكِير الزَّوْج وَغشيَّتْهُ غَاشِيَّة، صَارَ لاَ يَعْرِفُ مَوْقِعَ قدَمَيْهِ مِنْ شِدَّة الذُّهُول والحَيْرَة، فِي دُمُوعِ الزَّوْجَة ضَحَكَاتٌ مَكتومَة، يَلتزِمُ الْمُهَاجِمُ الصَّمْتَ حَتَّى أنَّك تَخَالُهُ أبْكمًا لاَ يَنطِقُ، وَهُوَ المُثقفُ الذِي كَادَ أنْ يُورِدَ الزَّوْجَيْنِ مَوْردَ الْهَلاك، يَقُودُهُم رِجَال الأَمْن إلَى السَيَّارَةِ وَالأغْلالُ تُطَوِّقهُم، يَسْألُهَا المُحَقِّقُ: لِمَاذَا تظَاهَرْتِ بالرِّضا، ابتسَمَتْ وَهِيَّ تَقولُ: تَعَمَّدْتُ ذَلِك مُحَافَظَة عَلَى الزَّوْج واسْتِدْرَاجِ الْمَجمُوعَة، كنتُ أتحَدَّى زَوَابِعَ الْعَاصِفَة لإنْقاذِ شُتاتَ صَبْرِي، مُخْتلفَة مَعَ الزَّوْج فِي الظَاهِر مُتفِقَان فِي النَّتِيجَة، ولأنَّهُمْ خَطفُوهُ لاسْتِخْدَامِهِ فِي مَوَاقِفَ مَشبُوهَة، كَانَ خَائِفًا مَأزُومًا، يَحْمِلُ عَلى كَاهِلهِ حَقَائِبَ التبَلدِ، فاقدًا لوَعْيِهِ ولحُقُوقِ الْحَيَاةِ وعُمْقَ الْوُجُودِ، صَارَ كَمَنْ يَبْصُقُ فِي الْمَاءِ الَّذِي يَسْتحِمُّ فِيهِ، إنَّهُ لاَ يَسْتَطِيعُ إنْقَاذَ نَفسِهِ، وَقَدْ ألبَسُوهُ الشَّوْكَ دِرْعًا، وَزَرَعُوا الخَوْفَ فِي أحْشَائِه، وَليْسَ للمُتوَرِط فِي قضَايَا الإجْرَام وَالتطرُف إلاَّ أنْ يَكْتمَ أنْفَاسَهُ، ويَتوَارَى خَلْفَ غُلاَلَةٍ مِن الْحَسْرَةِ والنَّدَامَةِ، يَلتهِمُ لُهَاثَ أفْكَارهِ البَائِرَة، وَيلتحِفُ الألَمَ، تُنَاوشُهُ رِيَّاحٌ هَوْجَاءَ مِنَ الرُّعْب، وَيَلفُّهُ سَرَابٌ لا يَرَاهُ أحَدٌ سِوَاه.

أضف تعليقاً