01- بِنَضَارَتِهَا وَبَهَاءِ طلعَتِهَا، بِكامِل وجَاهَتِهَا وَأناقتِهَا، تُعَانقُ رَحَابَة الْمَكان، وَرَحَابَة اللحْظة كاللؤلؤة ألبيْضَاء تسْترْخِي عَلى أعْوَادِ الزّمَن، تذرفُ لوَاعِجَ الشوْق والحَنِين، في مَلامِحهَا دوْمًا يرْتسِمُ السُّؤال العَابقُ، إلى أيْن؟ سُؤال ظل يَتردّدُ كالحُلم يَنْتشِلني من هِوَايَةِ الوَقتِ،كلمَا هَمَمْتُ بالرَّحِيل،يَغزَونِي الحَنينن، حُلمٌ كالحُبِّ يسْكنُني، يحْمِلنِي بعِيدًا وأحْمِلهُ إلَى حَيْثُ المُشتهَى، هُو نبْرَةٌ لاتحْتاجُ إلى إذن، ولله دَرّك يارفيقة الدرْب، فلكم أنْتِ جَميلة،عَزيزة،مِطوَاع، دوْمًا مَصَابِيحُك مُتوهِّجَة حَالمَة، تضِيئِين المَسَافَات والدُّرُوب، تفْتحِين نوَافذكِ مُشرعّة لدُخُول رَذَاذ الضَّوْءِ، اسْمَعُ صَهِيلك صَوْتًا يَشقُّ عَنان السّمَاء، كالترَانيم عَميقٌ،رَخِيمٌ،عَذْبٌ..كبَقايَا حلم،لكن لمَاذا أدَاؤُك بَاتَ يَترَاجَعُ.؟ ارَاكِ تكتفين بالذهُول، هَل أصابك مكرُوه.؟أمْ أنّك تجَاوَزْتِ مَرْحَلَة العَطَاء؟ لِمَاذَا الجَسَدُ لمْ يَعُدْ يُغْري؟ هَلْ الأدْويّة لا تفيدُ فِي عِلاجِ جَسَدٍ صَار مُنهكًا.؟ حَتّى وإنْ ابْدَلتُكِ الْجَدِيدَ ترْفُضِينَ.؟ يَا إلهِي مَاذا يَحْدُث؟ هَل اشْتقت إلى أهْلك في رُوما؟ أمْ هيّ الشيْخُوخَة اجْتاحَتك؟ وأهْدَابُ العُمْر أخَذت تَتسَاقط، أجَل..تمْضِي سَنوَاتُ العُمْر، وفِي الكفِّ لاشَيْءَ مِن العُمْر، أنْتِ تعَانِين مِن دَاءِ المَفاصل، أجل..مُنذ أنْ خَطفُوك ورَفسُوكِ، ومِن ارْتفاع درَجَة الحَرَارَة ذَاتَ تجَاهُلٍ وإهْمَالٍ ونِسْيَانٍ، لكن مَا بَالك ترْفضِينَ المَسَافات البَعِيدة.؟ لعَلك اشْفقْت عليّ، أوْ أنّكِ تريدِين مُبارحَة البيْت،أرَاكِ مَبْهُورَة بجَدِيدِ العَصْر أليْسَ كذلك؟ آه.. لمّا لازَمْت عَرينك، واخْتفيْت عَلى الأنْظَار قالوا عَنْكِ كَلامًا لايَلقُ:{ لقد هزُلَتْ حَتّى بَدَا مِنْ هُزَالِهَا** كِلاَهَا وَحتَّى سَامَهَا كُلّ مُفلِسٍ..} رفيقة الدّرْب إنْ كنْتِ ترْغَبِين فِي تغْييرالمَكان بعْد هَذا العُمْرفلَك ذَلِك..تلتزمُ الصّمْت بعْضَ الوَقتِ{والصّمْتُ إجَابَةٌ بَارعَة} فَجْأة أخَذت الكلمَاتُ تتهَاطلُ،تتهَشّمُ،تتطايَرُ،لتذُوبَ في رَغوَة الفرَاغ.فَفِي تِلك المَسَاءَات الكئِيبَة، فِي شِتاءِ بَارِدٍ.حَامَ حَوْل الحِمَى طَائِرٌ، أخَذَ يُحَلقُ، الطيُورأحْيَانا تعْتذِرُعن التغريدِ لحكمَةٍ، أوْمَأتْ لِي بِأنْ أُطلقَ سَرَاحَ قلبِهَا الْمَأسُور، وأشْرَقتْ عَلَى ثَغْرِهَا ابْتِسَامَة، خَفَقت لكلمَاتِهَا حَنَايا الفُؤَادِ،أجَبْتُهَا مُشْفِقًا، خيْرٌ لكِ يَاعَزيزَتِي أنْ تذهَبي.! فأنَا اصْبحْتُ غَيْرُ قادِرعَلى اطعَامِك وخِدْمَتك وحِمَايتك، لكِ أن تذْهَبِي، ودَّعْتها مُتألمًا كاتِمًا أنفاسَ حُبِّنا، وقفتُ مُحدِّقا فيهَا مُتنَهِدًا، أمَارِسُ فعْل النّسْيَان.
02- هيَّ ذِي جَاثمَة تتهَيأ لمُبارحَة المَكان، تنتفضُ، تتحرّكُ، مَابك أيّتُهَا حَائِرَة مُترَدّدَة؟ هل أصَابك مَكرُوهٌ؟ أترْغَبِينَ فِي الذّهَابِ الآنَ؟ مِنْ حَقكِ يَا رَفيقة دَرْبي أنْ تذهَبِي، لكن إلى أيْن؟ رُوَيدَك هيّجْت العوَاطِف، سُحُبا كالعَواصف،ريّاح هوْجَاء قوَاصِفَ، سَفرٌ طويلٌ بلاَ رجْعَة، من سَيُضيءُ مَمَرَات الذكريَات؟ من سَيَصُوغ أفرَاحَنا غدًا؟ أيّتُها الزّهرَاءُ المُتحَرِّكةِ، أيُّتها الفرَاشةُ البيْضَاءُ،اللحْظة يَنْتابنِي شعُورٌ غريبٌ، فأنا أحْيَانا أرَى الصّمْتَ واخْجَلُ، هُو يُسْمِعُنِي ترَاتيل عَذبَة تُرْسِلهَا الريّاحُ، الريَّاحُ تُسْمِعُنا كلمَاتٍ مُتموّجَةٍ، وقد أوْجَعَتني جرَاحَاتُ الأيّام، فتجَاوزَ القلبُ النبْضَ العَادِي، انْفلتت الحَيَوِيّةُ، ضَاعَ النشَاطُ، صِرْتُ بعْضًا مِنْ ذلك الصّخَبِ، هَل اتَخلى عَنك بِهَذِهِ السُّهُولة.؟ عَفوًا”.العَيْن بَصِيرَة واليَدُ قصيرَةٌ..” واكْرَاهَاتُ الزّمَن كثيرَةٌ ؟ أنَا مُكرَهٌ حَتى وإنْ كُنتِ قدْ طفْت مَعِي المُدُنَ والفيَافِي، الصّحَارِي والأوْديّة، الجبَال والسُّهُوب، وسَجّلتِ أجْمَل الرَّحَلات وأمْتعَهَا، أوْدَعْتِهَا سِرًا فِي ارْشِيف الذكريَات، هيْكلك الوَسِيم يَحْتضِنهُ القلبُ، يُهَدْهِدهُ عَلى الوسَادة، أنَا مِنْ فرَاقك أيَّتها {الرِّيتمُو} الخَدُوومُ تائهٌ مَحْزُونٌ، أخَذْتِ مِنّي حُلم الأيّام، فأخَذتُ مِنك ذكريَاتٍ عَزيزَةٍ لاتنامُ، من هُنا مِنْ {البيرين }مِن هَذا البيْت العَابق الآمِن الودِيع، كانَ اللقاءُ ذاتَ فرْحَة، وفِيهِ قضيْتِ العُمْرَ ثلثهُ.تصُولِين وتجُولِين، مهْلا..أنْتِ تجَاوزْت ثلاثة عُقودٍ بخمْسَة أعْوَام، بعْدَ ثلاثِين شِتاءً يَحْدُث الفرَاق! آهٍ مِنك ترَكتِ الصّمْتَ يَلفُّ المَكانَ! وآنتِ فِي طريقك ترْشفِين المَلَلَ،لا تبَالِين بالحُفَرِوالمُمَهِلاَت والأودِيّة والشِّعَاب، الجُرُوحُ مُكدَّسَة، أيّتُها السَيّارَة العَجِيبَة، سُلالة {فيات} ببرَاءَةٍ وخجَل تتوَارَيْن فِي العَتمَةِ، تجُولِين بعَيْنيْك المُرْهَقتيْن؛ يَسْبقنِي إليْك التلهُفُ، وقد اقلعْتِ مَعَ أسْرَابِ السيَّارات، ما عَسَانِي أقُول! كأنّي أرَاك لأوّل مَرّة، أحَاولُ رسْمك ُمُهْرَةً حَرُونًا، حَمَامَة تغْدُو وترُوحُ، ورْدَةٌ بيْضاءَ تفوحُ عِطرًا، الرِّيشَة غاطِسَةٌ فِي ألدّوَاةِ أخَضْخِضُها أنفُضُهَا، قطرَاتُ الْمِدَاد لاتصِلُ.رَبّاهُ ! يَضِيقُ الافُق، تعْجُزُ الكلمَاتُ، امَاذَا يَحْدَث؟حَانَ وَقتُ الفرَاق،أجَل افترَقنَا، تهَجْهَج الشَّوْق، خسِرْتِك ياأنْت، وخَسِرْت أنت كل العِيّال.{ياأمّي عمرو جزاك الله مَكرُمةردِّي عليَّ فؤادي أينمَا كانا} مُحَرِّرعُقودَ البيْع يرفَعُ صوْتهُ الجهُور؟ يُخَاطبني بلبَاقة، لاتحْزَن عَوَّضَك اللهُ، إنَّها صَارَت لغيْركَ،ضعْ بصْمَتك هُنا، سَلم الأوْرَاقَ والمَفاتِيحَ، قلتُ لهُ: فعًلتُ، ودّعْتُها وأنا أحَدِّقُ في الوُجُوهِ مِن حَوْلي كأنّي أسْتعْطِفُهَا، أُسَلِّي النّفسَ،هِيّ ذِي تتمَلمَلُ، تتحَرّكُ، تنْطلقُ، كانّ الوَدَاعُ خجُولا مُرْبِكا.! والعَيْن دامِعَة، أعْصُر أصَابِعَ يديَّ، أضرِب كفيَّ ببَعْضِهمَا..{ لاتأخذين فؤادِي تلعَبين به كيْف يلعَبُ بالإنْسَان انسَانًا} أعودُ مُتثاقلا، مُتمَايلا، مُلتفتا يُمْنة ويُسْرْة، أجُرالطريق خلفي{ذهَبَ الحِمَارُ بأمّ عْمْرو** فلاَ رجَعَت ولا رَجَع الحِمَارُ.}
- وأخِيرًا افْترَقنَا
- التعليقات