وَجُمت كالصّنم، حتّى عيناي لم يُحرّك لهما جفن. لحظات مرّت عليّ و أنا على هذه الحال. ثمّ انتفضت هلعا من غفوتي لمّا علمت أنّ القطار قد تجاوز محطّتي المعتادة.
كان القطار الذي تحرّك منذ قليل على عادته غاصّا بالركّاب. لم يجد الكثيرون كراسي للجلوس عليها، فاستنجدوا بقضيبين مثبتين أعلى السّقف يتشبّثون بهما، المشهد يبدو مألوفا لولا ذلك الرّاكب.
يبدو في أواسط العمر، ظلّ ممسكا بالقضيب، يميل إذا مال القطار، و هو يجاهد للإمساك بكتيّب بيده اليسرى. لم يكن مقعدي بعيدا عنه، لذلك استطعت أن أتبيّن بعض كلمات من عنوانه، فعرفت أنّه لوليام شكسبير، و قد أعانتني صورة الغلاف على ذلك.
تفرّست في هيئة الواقف مليّا. رأيته ذا شعر غجريّ، يضع نظّارات سوداء على مقدّمة رأسه، فبرزت من تحتها عينان خضراوان. أمّا السّروال فقد جاوز قليلا الرّكبتين، و يلي كلّ ذلك ساقان مرداوان. خمّنت أنّه سائح أجنبيّ، و تحديدا إنقليزيّ، فالإنقليزيّ معتزّ بثقافته إلى حدّ التعصّب، يسعى جاهدا إلى نشرها أينما ذهب. ربّما جاء يستمتع بشواطئنا الذّهبيّة في هذا الصّيف، بكنوزنا التي تُذهِل الأجنبيّ. بينما لا نبالي نحن بهذه التّحف، فكثيرا ما نتّخذها مصبّا لفضلاتنا، و ما أكثرها! فتُصاب بتُخمة من التّلوّث حتّى السّمعيّ منه.
كم أكبرت هذا السّائح، فهو لا يستنكف عن امتطاء وسائل نقلنا المترهّلة. بينما يكابد البعض منّا لاستئجار سيّارة أجرة “تاكسي” تقلّه على ضعف موارده الماليّة، لا سيّما إن كان من موظّفي الدّولة تباهيا و افتخارا. لعلّها متعة الاكتشاف، أو هو نوع من التّضامن مع شعوبنا البائسة.
ظللت أردّد بيني و بين نفسي:” لا بدّ أن أجد مدخلا لجرّه للحديث. و هل سيقبل التحدّث إليّ و هو المتشبّث بالتهام وجبة ثقافيّة دسمة؟ و ما جدوى حديثي إليه؟”. لا يهمّ، سأجد منفذا لمحادثته إن عاجلا أم بعد قليل.
ولكنّ القطار يمضي، و يطوي المسافات و إن بترنّح، و قريبا سنفترق. إذن فلأسارع بمشاكسته قبل فوات الأوان، و إلّا ضاعت هذه الفرصة و بقيت هذه الرّغبة منغّصا.
انكفأت أدرّب لساني على اللّكنة الإنقليزيّة و أتذكّر بعض الكلمات التي بقيت راسخة في ذهني منذ أن كنت في الصفّ الرّابع من المرحلة الثّانويّة مثل” أهلا”، “مرحبا”، “ما اسمك؟” “من أيّ بلد؟…” و ما شابهَ من هذه الكلمات البسيطة. في الحقيقة لا أدري كيف سيتطوّر الحوار، لكن كنت أودّ أن أسأله عن الشّعب و عن الثّقافة عموما و أناقشه في مواضيع شتّى، أنا الذي أدّعي أنّي أصبت من الثّقافة حظّا يمكّنني من مجادلة أيّ كان.
أغلب مستقلّي هذا القطار من الفئة المتوسطة و تحديدا من الموظفين في سلك التّعليم أو في بعض المؤسّسات الصّغرى و المتوسّطة، و التي تشكّل النّسبة العظمى من أفراد المجتمع. و ما كاد القطار يتجاوز المحطّة الثّانية حتّى انطلق لسان فتاة من أقصى مقصورة سابّا لاعنا. و ينطلق على إثره عشرات الأبواق تردّد ما كانت الفتاة تتلفّظ به، و ربّما زاد أحدهم في الإيغال في السبّ، فلعن الأب و الأمّ و الأجداد… لم يتركوا له قريبا إلّا لعنوه و شتموه، أمّا تهمته، كما كلّ مرّة، فالتحرّش بقاصر. ثمّ يختلط الحابل بالنّابل و تتشابك الأيدي و يرتفع الصّياح. ما من مرّة ركبت فيها القطار خلت من مثل هذه التّهم. الصّور تكاد تكون هي نفسها: تحرّش و مشاجرات و مشاحنات تنتهي بسرقات هنا و هناك لحظة الفوضى. غير أن الكهل ما فتئ يردّد للجميع بأنّه لم يكن في نيّته أيّ سوء، و إنّما كان لمسه للفتاة عن غير قصد لمّا تحرّك و هو يستعدّ للنّزول، و القطار لمّا يتوقّفْ.
لم أعر الأمر كبير اهتمام، بل وجدته مسلّيا في مثل هذه الرّحلات الرّتيبة، ما يشغلني الآن هو هذا الزّائر الأجنبي و الصّورة التي ستنطبع في ذهنه عنّا. تُرى هل تشهد قطاراتهم مثل هذه الحوادث؟
وجدت الفرصة مواتية لجرّه للحديث، فتظاهرت بأنّني أتبرّم من مثل هذه السلوكات الخادشة للحياء و العرض، و كنت أعقبّ على ذلك المشهد بلهجة أجنبيّة لعلّي أحفّزه للحديث، فإذا ما بادرته بالحديث اطمأنّ إليّ و هان عليه الأمر و بادلني الحديث.
صدمني بروده الثّلجيّ. عيناه لم تفارقا الكتيّب رغم كلّ الهرج و المرج. و الأدهى من ذلك أنّه تجاهلني، و لم يبد منه أيّ ردّ فعل، لكأنّه من عالم آخر. ثمّ تذكّرت أن الأوروبيّن عموما و “الإنقليز” خصوصا “باردون”، لا يجري الدّم في عروقهم بسرعة مثلما يجري في دمنا نحن سكّان جنوب المتوسّط.
قلت في لهجة ساخرة ماكرة:” لا تنزعج، هذا يحدث عندنا كلّ يوم”. لم تغيّر جملتي هذه من سلوكه و هدوئه شيئا، و واصل تجاهله لي. فأضفت في إصرار و عناد:” لا تكترث لمثل هذه السلوكات يا …”. و هنا وجدت الفرصة سانحة لسؤاله عن اسمه و بلده. قلت بكثير من الفضول الذي انزلق إلى الوقاحة:
– ما اسمك؟
-ا…
– تتحدّث الإنقليزيّة؟ أو الفرنسيّة، أم …؟
غاضني بروده، ثمّ انفراج شفتيه عن ابتسامة صفراء ما فتئت تتوسع و تتوسع، حتّى صارت قهقهات منكرة بحجم الجبال هدّت كبريائي. كدت أتقيّأ نفسي. كرهت موقفي هذا. التفت يمينا و يسارا أنظر هل تفطّن الرّكاب إلى ما أنا فيه من ذلّ و صَغَار. أهكذا يعاملنا الأجنبيّ في عقر دارنا؟ ثمّ دار في خلدي أنّه ربّما حالة شاذّة، بل رحت أفتّش له عن العذر تلو العذر. لملمت شظايا نفس محطّمة أحاول ترميمها من جديد و قلت في نفسي:” قد يكون درسا مناسبا لبعض المواقف. هكذا هم الأجانب دائما، يفوقوننا في بعد النّظر و التّروّي”.
القطار يبطئ من حركته، و يستعدّ رويدا رويدا للتوقّف. لاحظت استعداده للنزول، فزعت، و كادت بوصلة عقلي تفقد صوابها. ضاعت فرصتي في التّواصل معه على ما يبدو، و قد لا تتكرّر مثل هذه الفرص. حزنت و تأسّفت أيّما أسف.
قبل أن تُغلق الأبوابُ لكزتني بضع كلمات صادرة من الزّائر الأجنبيّ. قال بلهجة كالخنجر غاصت بعيدا بين أضلعي:” ربّي يعينك، شاف”. دارت الدّنيا من حولي، فلم أعد أرى سوى الضّباب. أ يعقل أن يكون ابنَ البلد؟!
وجمت. لا أدري ما أفعل. ضلّت الأفكار تنشب فيّ أظافرها، حتّى لقد استصغرت نفسي، و رحت أكيل لها الشّتائم.
لم أفق ألّا و القطار قد تجاوز محطّتي، و مازال يسير… يسير… و أنا؟!.. نحن؟!… لا أدري…

أضف تعليقاً