شعوري بالحرية من كلّ شيءٍ غريبٌ جدًا إنّه ” مثل شيءٍ مكورٍ من المطاط، تلقيه في الماء فلا يبتل، و ترميه على الارض فيقفز”، مثل طائرٍ يحط على شجرةٍ حتى تخاله اتخذها بيتًا فيصفق جناحيه ويغادرها إلى شجرةٍ أخرى وربما جبلٍ.. مثل نسمةٍ داعبت وردةً وأنست بها حتى صارت النسمة شيئًا لصيقًا بروحها ولكنّ النسمة تسللت خلسة وداعبت وردةً أخرى، لم أكن أشعر بالإنتماء لأي شيءٍ ولا أرى شيئًا يجذبني إليه، كنت أفقتد ذاك الشيء الذي أرى فيه ملاذً آمنًا، أو وطنًا دافئًا، أو عبقًا يملأ صدري فيحيني من مماتي، أو مرآةً تعكس روحي لا ملامح وجهي المتخشبة.
كنت أسير في الحقل المجاور لحقلنا من جهة النهر حين سمعت صوتًا أنست به لأول مرة فرحت، انفرجت أساريري، ملأت صدري رائحة زكية لم أشمّ مثلها قبلًا، فاقتربت وأنا اسير بين أشجار البرتقال باحثًا عن مصدر هذا الصوت الذي صاحبه شعوري بالأمان.
واجهتني صعوبات بالغة قبل أنْ أعثر عليه فقد أحسست أنّ الطريق خارجٌ عن البعد الزمكاني وأنّه ممتدٌ طويلٌ رتيبٌ كليل نازك الملائكة حين “مر القطار”.. وجدت أول الأمر مجموعةً من رجالٍ ونساءٍ بسطاء الهيئة وقد جلسوا على الأرض وتحلقوا حول ابريق الشاي وطبق الكعك المنزلي ومساحيهم ومعاولهم بجانبهم وهم يضحكون.. فجأة انقبض صدري وراودني شعور الكرة المطاطية من جديد ولم أرَ منهم إلا ملابس رثةً وقلوبًا سوداء كالشاي الذي يشربون.. لكنّ الصوت المفعم بالأمان تردد مرة أخرى في أذني فانطلقت أتتبعه.. لابد أنّه موجود.
بعد أنْ قطعت مسافةً وجدت مجموعةً أخرى لرجالٍ ونساءٍ كانت ملابسهم منتقاة بعناية فبذلات الرجال فخمةٌ أنيقةٌ وكذلك فساتين النساء اللاتي كشفت بعضهنّ عن شعرها، وبضعهنّ وضعن حجابا بدقة وحزم، وبعضهنّ وضعن حجابًا شفّافًا لا يغني ولايسمن من جوع.. فانقبض صدري وراودني شعور الكرة المطاطية من جديد ولم أرَ منهم إلا ملابس تتحرك بأجساد دون أرواح، لكنّ الصوت المفعم بالأمان تردد مرة أخرى في أذني فانطلقت أتتبعه.. لابد أنّه موجود.
وعدت للسير مجددًا وقد أنهكت ونال مني التعب وسال الدم من قدميّ اللتين ضاقتا ذرعًا بي، واستمر المسير في الطريق الغريب الذي لم يكن من الاسفلت ولا من الطين بل كان مزيجًا منهما فأحيانا أراه أسفلتيًا وتارةً طينيًّا وتارةً أخرى من حريرٍ وتارةً أخرى سراب.
بعد لأيٍ لاح لي على البعد مجموعة أخرى فحثثت المسير علّي أجد ذلك الصوت..
حين وصلت كانوا مجموعة مختلفة كأنّهم بشرٌ وغير بشرٍ.. هيئتهم مختلفة ترى أحدهم يرتدي عباءةً وشماغًا، والآخر يرتدي عباءةً وعمامةً نصفها أسودٌ ونصفها الأخر أبيض، والآخر يرتدي بذلة أنيقة جدًا، والآخر يرتدي سروالًا واسعًا..
كانت مائدتهم مفعمةً بالخمر والطعام والنساء العارية والمال والسلاح والأوراق البيضاء والمسوّدة..
رأيتهم بأمّ عيني يتشاجرون على تحديد اللغة الرسمية للعراق فبعضهم يصرخ أنّها لن تكون إلا فارسيةً، فيصرخ الآخر أنّها ستكون عبريةً، وآخرٌ يريدها إنجليزيةً، وأخرٌ مقيدٌ أُلقي تحت طاولة الحوار يطلق صرخةً بالكاد تخرج من فمه المكمم أنّها يجب أنْ تكون عربيةً..
انقبض صدري بشدةٍ هذه المرة وراودني شعور الكرة المطاطية من جديد ولم أرَ منهم إلا سوادًا يغطي الجوً بأكمله إلا من شعاعٍ ضعيفٍ للشمس تسلل خلسةً.. لكنّ الصوت المفعم بالأمان تردد مرة أخرى في أذني فانطلقت أتتبعه.. لابد أنّه موجود.
وعدت لطريقي مرة أخرى وكان الجهد يبعثرني واقهره بصعوبةٍ واجتمع من جديدٍ فيبعثرني مرة أخرى وأجتمع أنا من جديد وهكذا دواليك حتى بدى لي الصوت الذي جذبني واضحًا جدًا في الفضاء الممتد أمامي أشعر بالقرب منه فرائحته المميزة تتوغل في صدري أكثر وصداه يعود بسرعة.
وظهر أمامي أخيرًا نور لطيف فأسرعت الخطا أقصده، وحين وصلت كان بابًا أنيقًا صنع بدقةٍ ففتحته ودخلت ووجدتْ مصدر ذلك الصوت في مكان دافئٍ طافحًا باللطافة والحياة لقد كانت مكتبةً كبيرةً كان واضحًا أمامي نسخ من القرآن الكريم ونسخة من ديوان نازك الملائكة يغير ألوانه البحر ونسخًا لكتب في النقد والفلسفة وروايات متعددة ودواوين كان على رأسها ديوان السياب والمتنبي.
أحسست لأول مرةٍ بشعور يجذبني للمكان واشياءً تربطني به، ورنّ الصوت الرائع من جديد فالتفت وإذا به ينبع من كتاب سيبويه.

أضف تعليقاً