كلما نظرت جهته وجدته بلا حراك. تفصل بيني وبينه مسافة كافية. أكاد، مع الصمت المطبق، أسمع أنفاسه الرتيبة. على ضوء شاحب، أراقب حركاته وسكناته. كلما غير وضعه قليلا، أوندت عنه حركة إلا وقدرت رد فعل ملائم. أغوص في ذاكرتي، مستنجدا بما يمكن أن يشغلني لأتحاشى التفكير فيه. يا للمفاجأة !!ذاكرتي تكاد تكون فارغة إلا من حوادث تجاهلها أجدرمن تذكرها. لأول مرة أتنبه إلى أنني لا أملك ذاكرة للفرح. في كل زواية من ذاكرتي تقبع عناكب وخفافيش. ماذا صنعت بنفسي؟ أرض يباب لم أبذرفيها ما أحتمي به في ساعة العسرة. حسبت نفسي خائفا على شيء أملكه وأجاهد لأدافع عنه. لكن …
كأني سمعت أنينا، تزداد مخاوفي. ما معنى أن يئن؟؟. هذا الوضع مدعاة لرفع درجة التأهب. جرح في جسد حيوان يجعله أكثر ضراوة أثناء الهجوم. تعودت ألا آمن لأحد؛ هذا منطق علمتنيه مخاطر تجارتي. خبت أنفاسه … يا إلهي، أيمكن أن يكون قد … ومتى كان وضع الآخرين يهمني؟!. انتبه على حفيف تململه وهو يعدل قليلا من وضعه. سعل مرتين. دثرت فمي وأنفي بطرف اللحاف. كيف جمعتني الظروف وإياه في هذه الليلة الليلاء؟.
– ما لنا وصداع الراس؟! ليتك تبقى معي،على الأقل، إلى أن يهدأ هذا الغضب !!.
ركبت رأسي كالعادة…
ليتني جربت، ولو مرة واحدة، العمل برأيها!!
كان الظلام دامسا، والأرض زلقة. لم أصادف في طريقي مركبة واحدة.هذا ما شجعني ، فكرت أن لا أحد سيقوى على المخاطرة. كانت النتيجة ما أنا عليه الآن؛ ملقى في غرفة مع غريب كأفعى تنفث سما قاتلا…
– ستتركني وحيدة…لفائدة من كل هذا العذاب؟!
كنت على دراية بكل تفاصيل الطريق. بالرغم من الجو العاصف، يمكن أن أسوق مغمض العينين.عند منعطف شديد الانحراف قلصت من سرعتي،إذا بجسم صلب يلقى من لامكان يصدم الزجاج الأمامي لمركبتي، فقدت الرؤية فوجهت المقود جهة الجبل تلافيا للحافة العميقة. انتشلتني من بين الركام سواعد قوية، بينما اندست يد تقلب في كل جيوبي. كان البرد قارسا. تناهى إلي جدالهم، حسمه صوت منهم:
– نضعه هناك، نطرق الباب، ونذوب …هو وزهرو…
صرير باب حديدي…ضوء يستبين ملامح وجهي…
– آلو…نعام سيدي …واحد …فيه كورونا…
أصوات كأنها تتخاصم…حاولت أن أحتج… لكن…
فتحت عيني على آلام حادة في كل جسمي. مذهولا كنت حينما وجدته أمامي …هو من كان على السرير قبالتي.
– كنت تهذي طول الليل…
يقيس درجة حرارتي، فكرت في فمي وأنفي. تابع وهو يسوي ياقة وزرة بيضاء لبسها للتو:
– كاد الحارس المسخوط أن يضعك مع الحالة المؤكدة، بعد إلحاحي وتحملي مغبة خرق الأوامر، قاسمتني غرفة المداومة.
تحسست مواضع الألم في جسمي، وسألته :
– كم مضى علي هنا؟
– منذ ليلة البارحة، استعد، رجال الدرك في انتظارك.
على صدره قرأت: الممرض المداوم…

أضف تعليقاً