كان صباحا وضاحا تفوح منه روائح زكية فى العالم الجديد و كانت القهوة المطلة على البحر فى مرتيل ترتل آيات الزمن الفانى على صوت رياح أروبا الباردة البعيدة من شموس الجنوب وخرافته الأخاذة. بدت الوجوه الجالسة بداخل قهوة الأمل تائهة كوجوه لاعبى الورق .لا الحزن يعتليها ولا هى بالسعيدة ،بل غامضة كالأسرار والمخلوقات الغارقة فى جوف اليم . إنكسر شعاع فجائى على عينى الفتى الهادئ فى الزاوية لتبدو ككوكبين حمراوين .كان جالسا فى صمت وظهره مسند بشكل غريزى على الحائط. غريب جدا! تسائلت وأنا أنظر إليه وبيدى كتاب ثقيل من النقد الأدبى بالانجليزية متوقفا عند ملحمة الجنة المفقودة” لجون ميلتون”..ورتابة الغربة والإمتحان القادم ترهقان نظراتى المتعبة من التركيز فى أشياء لاتمت بصلة بثقافتى الأصلية ولن تأتى بجديد فى الأرض السائبة ،وكان لا بد من خطوات جديدة و بوابة خروجExit Strategy من أجل تجديد ما ، كان لا بد من التحول إليه على الأقل تدريجيا فى إزاحة هندسية متقنة. إبتسمت إبتسامة لامعنى لها فى إتجاه الشاب الغريب ،على الأقل بالنسبة للمشاهد المباشر وتراجعت عنها بسرعة مدركا سذاجتى الغير مقصودة . أمسكت كوب الشاى وشربت القليل منه و إذا با الغريب يسألنى بغتة :” ماذا تدرس يا أخى..؟
–أناطالب جامعى فى سلك الماجستير شعبة الدراسات الإنجليزية.
-هل تدرك بأن ماتدرس لن يأتيك بنتيجة فى المدى المنظور؟ إسمحلى إن قسوت عليك قليلا ولاكن أتعلم كم مات من حملة الشهادات وهم يحاولون الوصول إلى إسبانيا ؟ تبدو لى شابا واعيا ولاكن ما معنى أن تدرس وأنت على يقين بأن سوق العمل مغلق فى وجهك.والله لو أن الملك فتح ابواب الحدود لن يبقى شاب واحد فى هذا الجحيم.
-ضحكت قائلا ..إفريقيا تحتاج فعلا لمشاريع خلاقة من أجل خلق أمل جديد لدى الشباب لأن الهجرة قد لا تكون حلا جذريا للمشكلة نظرا للإختلاف الثقافى و صعوبة تأقلم المهاجر مع النظام الرأسمالي الإستعبادى هناك وراء الحدود، خصوصا إذا لم يأتى الفرد من أجل العلم..قاطعنى فى إنفعال قائلا..
-أنت حالم ياصبى ، لاوجود لأى علم فى حالتنا المزرية هنا ، فهرم القيم قد إنقلب لدرجة أن بائع الحشيش تحيط به الحسناوات ،بل وتراه رب أسرة “محترمة” بين قوسين ،أما الموظف الحكومى فهو كائن مرتشى يبيع الوظائف كما يباع البرتقال فى السوق..هل أنت من الدارالبيضاء ؟ لهجتك ليست من الشمال ..
–كلا ، أنا موريتاني..
–آه موريطانى ، أعجز عن تخيل العيش فى تلك البلاد البعيدة ولاكن أهلها طيبون ، وحسب ما أقرأ فى الصحف فالأوضاع هناك لا تختلف عن المغرب ،عندكم جشع مفرط يجعل الكل راغبا فى أن يصبح رئيسا عبر إنقلاب عسكرى..أما هنا فلا بد من حرب تنقص الشعب الذى أضحى كالذباب وأظن أن كثرتنا هى سبب المشكل ..تنهدت فى حيرة من كاره المجتمع هذا قائلا:
–أشعر باالإمتعاض الذى يجعلك ثائرا كشياطين ملحمة خرافية وشقائنا كشباب تواق إلى الرفاهية فى أحضان بحرالشمال ولاكنك يجب أن تتشبث بالأمل..
ضحك فى إنفعال مردفا..ممسكا بنظاراته الشمسية السميكة ،ليضعها بسرعة على عينيه الثاقبتين..
–عندما تثور الجماهير وتعم الفوضى ويشنق الطغاة بأمعائهم ، ستعلم بأن فرصتك فى الهجرة قد ضاعت وبأن السلاح هو وسيلتك الوحيدة للبقاء حيا ..وبدأ يردد أبياتا رائعة من الشعر لم تخطر على بالى ،و بدى أكثر فصاحة من تأبط شرا نفسه..
لقد بدى لى كملاك ثائر طرد من قاعة الخلد و تخيلت أجنحة المارق وهى تطير به حتى آفاق بعيدة فى كبد السماء .. إنتصب واقفا فى بهاء بعد أن انتهت الأبيات الفريدة مائلا..
–وداعا يا صحراوى ، لاتضع وقتك فى البحث ، فالحقيقة وراء هذا البحر الهادئ ،حيث مصيرنا وثرواتنا الضائة ..إبحث لك عن عمل يا صديقى..
–ستكون بخير يا أخى ، فلا شيء يخلق، لاشيء يفقد، بل كل شيء يتحول..
أقفل سترته السوداء الناصعة و ربت على شعره الأسود الطويل مقهقها:”سنرى يا أديب؛ إن كانت عقدة الهجرة ستزول أم أنها قدر محتوم،وداعا”..
لينصرف الرجل الغريب ويختفى فى أزقة مدينة مرتيل الجميلة وكأنه شعاع آت من العدم ،و ليتردد صوته الفصيح على المآذن وكأنه رسالة خفية أقرب إلى الباطنية منها إلى العقل ..لأغمغم بدورى”يجب أن تذهب يا “ز” ،نعم يجب..”.
- وجوه الورق
- التعليقات