بينما ترفل الشمس في ثوبها الذهبي على صفحات النهر،تتدلى أغصان أشجار الصفصاف الباسقة باخضرارها السرمدي فوق مياهه البلورية، التي تحاول صدها برقة ورفق، من شدة عذوبة مياهه، شاع بين الناس أنه من شرب شربة منه لابد وان يعود إليه ثانية، لا
يكسر صمت هذا المكان الخلاب سوى خرير المياه وحفيف الأوراق وزقزقة العصافير …
على الضفة الشمالية للنهر تستسلم مدينة ساحرة الجمال لمناخها المعتدل اللطيف ،تدعى مدينة الجوري نسبة إلى الورد الجوري الذي تشتهر به …
كل من يزور مدينة الجوري يشعر بسطوة سحرها و نشوةعبق أزهارها وورودها، تمتزج فيها الأصالة بالحداثة حيث تتناغم المعالم القديمة مع المعالم الحديثة،لقد كانت هذه المدينة مهدا لحضارات متعاقبة …
ينعم سكانها بالدين الإسلامي الحنيف ويتكلمون اللغة العربية، تعتمد المدينة في دعم اقتصادها على الصناعة و الزراعة خاصة زراعة الورد الجوري واستخلاص عطره وتصديره لمدن أخرى، يحكم مدينة الجوري أمير شاب في الثلاثين من عمره، حباه الله بعلم نافع وعقل راجح ونقاء في السريرة، فهو لايخطو خطوة إلا واستشعر الرقابة الإلاهية فيها، فكانت كل علاقاته ومعاملاته لاتخرج عن نطاق ما أباحه له دينه، فحلّت البركة في عهده وتوسعت التجارة وشقت الطرق وأنشئت المراكز التجارية الكبرى، وازدادت حركة التبادل التجاري مع مدن أخرى ساعد هذا في دخول ثقافات ولغات جديدة إلى المدينة زادت من ازدهار الأدب وشتى أنواع الفنون الجميلة بها …
إنّ مدينة الجوري الآن تعيش عصرها الذهبي تحت جناح هذا الأمير الشاب الورع …
لتفقد رعيته، يخرج الأمير لوحده ليلا متنكرا، ثم يعود إلى القصر للإجتماع بحاشيته صباحا لدراسة الأوضاع بالمدينة والإطلاع على المستجدات من خلال التقارير ومخططات المشاريع المنفذة والتي لاتزال قيد التنفيذ …
لايأوي الأمير إلى فراشه إلاّ بعد الإطمئنان على رعيته من جميع الجوانب بدقة متناهية، وهذا ما ميزه عن بقية الأمراء، شدة ورعه أدت به إلى إصدار مرسوم فحواه أنه على كل فرد من الأهالي التخلص من ذنوبه والرمي بها في النهر كل ليلة قبل النوم …
بدأ سكان مدينة الجوري بتطبيق المرسوم دون الإعتراض عليه لما رأوه من تفاني أميرهم في خدمتهم والسهر على راحتهم …
كان كل من عاقّ والديه بالنهار يأتي بالليل ويقذف بمعصيته في النهر ثم يعود لبيته للنوم دون معصية العقوق وكل من أكل مال اليتم يفعل كذلك وكل من كذب أو سرق وكل من شهد
شهادة زور وهكذا …
أصبح هذا العمل عادة يومية يقوم بها الأهالي في مدينة الجوري قبل النوم إلى أن امتلأ النهر بذنوب قاطنيها …
في احدى الليالي الشتوية الطويلة الباردة والناس نيام، إذ بصوت وقع أقدام قوي يقض مضجعهم ويهز الأرض من تحتهم هزا …
اجتاح الناس هلع عظيم، فغشت وجوهم صفرة باهتة وعلت أصواتهم بين صراخ وبكاء وعويل غطى سماء المدينة الآمنة وكأن القيامة قد قامت بها …
فرّ السكان من بيوتهم مفزوعين نحو الساحة العامة للمدينة مترقبين الحدث بقلوب وجلة …
علم الأمير الشاب بالحدث فقد شعر بنفس ما شعرت به رعيته من خوف لكنه تمالك نفسه وتماسك وتشجع كي تقتدي به رعيته في مثل هذا الحدث الجلل وبسرعة البرق، اجتمع بحاشيته وأعلن حالة التأهب القصوى، نظّم جيشه ووزع عليه المهام تحسبا لأي طارئ، فقد يكون في الأمر غزو لمدينته واحتلالها على حين غرة …
خرج ذلك الشيء من وسط النهر وهو يسير ببطء في شوارع المدينة،ما إن لمحه الناس حتى هرعواإلى بيوتهم وأحكموا غلق أبوابها مكذبين أبصارهم من هول ما رأوا،فأضحت الساحة العامة خالية إلاّ من نصب تذكاري يقف شامخ الرأس وهولأحد الرموز التارخية التي حكمت المدينة قديما …
أصبحت مدينة الجوري مدينة أشباح يتجول فيها وحش ضخم مرعب بمظهر مقززقادم من وسط النهر، رأسه رأس تمساح بعينين جاحظتين وأذنين صغيرتين وأنف غائرفي رأسه الكبير لايظهر منه سوى الثقبين، ذو لسان طويل يشبه لسان الحرباءفي حركته لكنه يكبره بآلاف المرات، أمّا أنيابة فحادة بارزة يسيل من فمه لعاب حمضي،قطرة واحدة منه كافية لإذابة صخرة بأكملها، يكسوجلده الرمادي الخشن أشواك حادة ينتهي جسمه بذيل طويل يهزه يمنة ويسرة لو وقع على شجرة ضاربة الجذورتحت طبقات الأرض لاقتلعها بيسر، له أربعة أرجل تنتهي بأقدام عريضة يخرج من أصابعها مخالب مقوسة وحادة، تفوح من جسمه القبيح رائحة نتنة …
قبل أن يصل الوحش إلى الساحة العامة، كان الأمير وجيشه يحكمون الحصار عليه وبدؤوا يقذفونه بشتى أنواع الأسلحة، لكن الوحش أبدى مقاومة عجيبة لها حيث كان جسمه يفرز أنزيمات تذيب كل أنواع القذائف قبل أن تقع عليه …
بزغ فجر يوم جديد لكن الحال على حاله وبدأت روح الهزيمة تتسلل إلى الجيش، بعدما شقشق النهار عاد الوحش أدراجه وغاص وسط النهر،فأمر الأمير بتوقيف القتال وأمر الجيش بالعودة لثكناته وعاد هو بحاشيته إلى القصرحيث يعقد اجتماعا طارئا لدراسة الوضع والخروج بحلول فعّالة، فالوضع خطير والوقت ضيق والوحش لايزال حيا وقد يفتك بالناس في أية لحظة، استأذن الأميرمن حاشيته للخلوة بنفسه في جناح خاص به ليتمكن من التفكير بروية، أخذ يمسح البلاط ذهابا وإيابا بخطوات بطيئة غارقا في التفكير يربط الأمور ببعضها، يضع المعطيات ويستخلص النتائج، إلى أن توصل إلى نتيجة هامة وهي أن الوحش قد خرج من النهر، والنهر لاعيب فيه فهو موجود منذ الأزل ولم يتأذى منه أحد، فما الذي استجد بالنهرحتى يخرج منه هذا الوحش المخيف؟
الجديد هو المعاصي والذنوب التي يلقي بها الناس كل ليلة فيه، من شدة ثقلها لم يتمكن النهر من لفظها خارجا فتراكمت وسطه مشكلة هذا الوحش الضخم وكما يقال إذا عرف السبب بطل العجب، لقد شخص الأمير الداء وعليه أن يجد وسيلة يجهزبها على الوحش بعد أن فشلت كل أنواع الأسلحة في القضاء عليه …
تكون جسم الوحش من خلايا الذنوب ولن يذيب جسده إلاّ ما يذيب الذنوب ولا شيء يذيب الذنوب غير الطاعات …
هذا هو الحل النهائي الذي خرج به الأمير، فجمع رعيته وراح يخطب فيهم:
أيها الناس …
إنّ ذنوبنا ومعاصينا قد ملأت النهر إلى درجة أنه عجز عن لفظها خارجا لشدة ثقلها،فتجمعت وسطه طبقات تشكل منها وحش المعاصي …
أيها الناس …
إنّ لكل معضلة حل …ولايمكننا القضاء على الوحش إلاّ بالإقلاع عن المعاصي وزيادة الطاعات والعبادات والتضرع إلى الله بالذكر وقراءة القرآن.
بدأ سكان مدينة الجوري والأمير أولهم بزيادة الطاعات والإقلاع عن المعاصي بالصلاة والذكر وقراءة القرآن …
كان القرآن المرتل أناء الليل وأطراف النهار يصل إلى مسامع وحش المعاصي وسط النهر فيذيب كل حرف من حروفه خلية من خلاياه …
أخذ الأمير على عاتقه الخروج وحده لمراقبته من هضبة تقع أعلى ضفة النهر، فشاهد منظرا مهيبا تنفطر له القلوب، لقد كان وحش المعاصي يذوب في النهر كما يذوب الملح في الماء حتى اضمحل وتلاشى …
أبلغ الأمير رعيته أنه قد تم ّالقضاء على الوحش،وهم الآن في أمان وسلام شرط أن لايعودوا لاقتراف الذنوب لأن وحش المعاصي سيعود للظهورإذا امتلأ النهرمرة أخرى فالمرسوم لايزال ساري المفعول.
- وحش المعاصي
- التعليقات