..إنتظرتُ قليلا، بعد أن أطلت الشمس من بين قطع غيم بدأ يتمزق ليفتح كوى تطل على سماء زرقاء ظلتْ محتجبة خلف خمار أبيض لأيام متوالية. ثم إنتعلتُ الحذاء المطاطي، وأمسكت العصا، وسقتُ الغنم أمامي لترعى، بعد أن ظلتْ لأيام تداري الجوع بأغصان طرية من أشجار البلوط كنتُ أضطر للذهاب إلى الغابة لقطعها وحملها على الظهر وسط المطر والريح المعاكسة التي تدفعني وراءا فيم أدفع بجسمي أماما كأنها تتسلى بالأغصان التي تبدو كمظلة فوق ظهري، وكنتُ أعود إلى الدار وقد بلغ البلل حتى التبان من ثيابي، فتستقبلني الغنم بوابل من الثغاء ودون أن أفهم أهو ثغاء شكر بعد كل ذاك العناء أم ثغاء لومٍ بعد أن صرتُ مضطرا لإرغامها على شد الحزام حول بطونها وهي لاتملك غير صوف خام وثغاء تجتره حين لاتجد كلأً في معدتها، إذ صار ثمن العلف والتبن غاليا، بينما المصروف بالكاد يكفي علف الأولاد والزوجة، فيم يضيق الخناق، حد الإختناق، على المراعي التي زحفت عليها شتلات الزيتون في مخطط كبير، نازل من علٍ، لتشجير آلاف الهكتارات وإبتلاعها من أمام آلاف الأغنام والمعز.! لهذا لم يكن أمامي وأمام غنمي متسع من المساحة لإختيار مكان الرعي. المكان كانت مرسومة حدوده سلفا،وكان محفوظا عن ظهر قلب حتى لدى الغنم أيضا. فليس هناك غير شريط ضيق يمتد عبر الوادي وصولا إلى بقعة أرض غير محروثة بها بضع أشجار زيتون كبيرة، ثم بعدها رحلة العودة عبر الطريق نفسه.. لهذا أسرعت كي لايسبقني أحد ما بنعجاته إلى هناك، وتركت الكلب الذي لم يرغب في مرافقتي، فهو أيضا كما الأولاد لم يعد يغريهم الرعي والجري وراء الغنم.!
لقد كان المكان خاليا، وكان من حظ غنمي أن ترعى بين عشب صار يغطي التراب المائل إلى الحمرة دون أن تنافسها غنم أخرى. فسرتُ أمامها إلى جذع شجرة زيتون أسندت ظهري إليه، وجلست على حجر، ثم مددت سطر نفحة فوق إبهامي وغمزتُ للريح أن تغض بصرها لأستنشق النفحة على مهل ودون إزعاج. ورحتُ أستمتع بمرآى رؤوس الغنم والخراف وهي تزحف على العشب بأفواه شرهة تبدو كآلات متحركة لتقليمه كي لايطول أكثر ودون أن تكف عن النفخ فيم هي تتشمم روائح العشب الصالح للقضم والإبتلاع من غيره، وقد تتوقف أحيانا لتنفض بصوت مفرقع من أنوفها مخاطا لزجا ممزوجا بروائح العشب التي لاتطيقها، ثم تندفع متسابقة إلى حيث بلغت النعجة التي في الطليعة..كان منظرا أليفا في نفسي، له جمال خاص، ويبعث حنينا غامضا يحيي ذكريات بعيدة من أيام الصبا، حين كانت الأرض غير الأرض والناس غير الناس والدنيا فراشة ألاحقها في حقل من سنابل أطول من قامتي.! لكن الأمر تغير، وصار من المفروض أن أبيع الغنم، ولاأحتفظ منها سوى بواحدة أو إثنتين على الأكثر كي لاأكابد ثمن خروف العيد، كما فعل كثيرون غيري، بعد أن سُيجت المراعي بشتلات الزيتون وارتفع سعر العلف والتبن الى حد غير مطاق. ولولا سعر المواشي الهابط إلى الحضيض في الأسواق حيث الباعة أضعاف المشترين، لكنت فعلتُ منذ مدة، وإن كنت أعلم أني سأفقد مدخولا طالما أسعفني في اوقات الشدة، لكن مافي اليد من خيار آخر، بانتظار ان يكبر الأولاد قليلا لأهجر الأرض وأبحث عن موطن جديد كما فعل كثيرون غيري.! أسندت رأسي إلى الجذع، وأغمضت عيني محاولا تخيل نفسي في مكان آخر غيرهذا المكان
الذي إحتضن بذرة صرختي الأولى حتى نمَتْ وصارت صوتا مكتملا. وبدا لي المكان كرحم ثان سأغادره في القريب من سنوات العمر بعد أن كبرت أنا وضاق هو، وصار لزاما كي أواصل النمو أن أبحث عن مكان آخر هو رحم آخر يتسع لحجمي، كما كان الشأن مع رحم أمي، ولابد أن تكون ثمة صرخة ثانية ومقص آخر ليقطع حبل سرة جديد.! فتحتُ عيني لأتفقد الغنم، لكنها كانت قد اختفت عن بصري، فخشيت أن تكون قد انسلتْ إلى الأراضي المحروثة حول شتلات الزيتون الامر الذي سيغضب أصحابها وقد يجر إلى مالاتحمد عقباه. وضعتُ علبة النفحة في جيبي، وتناولت العصا، ثم وقفت مسرعا، ونسيت فرعا كبيرا من شجرة الزيتون كان ممتدا فوقي، فاصطدم به راسي بقوة حال وقوفي. فغشى الظلام عيني، وطوح الدوار بتوازني، وسقطت على الأرض، دون أن أستطيع مد يدي لتلمس ماإذا كان هناك جرح في الرأس.!
- وراء الغنم
- التعليقات