..ألقيتُ آخر نظرة على المرآة، بعد ان وضعتُ اللمسة الاخيرة على هيئتي. لقد صرتُ امراءة حقا بكامل التفاصيل، الى حد جعلني اتحسس ماتحت حزامي بحركة لاارادية. ثم استدرت، وعيني على المرآة، ومشيت محاولا ان اهز اردافي المحشوة كما تفعل المراءة تماما.! الحياة مجرد حفلة تنكرية، اعتدتُ في مجرى تعاقب اقنعتها، انتحال هيئة ما تناسب اللحظة. فحين كانت هيئة الرجل سلة لغلة وفيرة لاتكلف شيئا تصنعتها، اما لما صارت الرجولة موقدا والرجال حطبا، اضحى من الانسب لي ان اتنكر في هيئة امراءة، وأدع الليل لظلامه، إذ من الجنون ان اصير حطبا لنار تضيء، فالليل اعمى ولو اشعلتَ مليون نار لعين غسقه.! هراء، الرجال لايولدون في الشدائد، بل يموتون فيها وبها، لأنهم يدعون انهم رجال لايهابونها، ويلقون بانفسهم إليها، فتلتهمهم الشدائد كما تلتهم النار الحطب. وانا عاقل بما يكفي كي لاألقي بنفسي الى التهلكة، وفي هيئة امراءة منجاتي منها.! لهذا اغلقت ورائي الباب، وخرجت. ورغم الفوضى التي بدا عليها الشارع،ركبتُ اول حافلة، واتجهت الى مركز المدينة، غير عابئ بالتحرشات التي لاتساوي شيئا امام ما كنت سألاقيه لو واصلتُ ادعاء الرجولة وانتحال هيئة رجل.! لكني لم اتوقع ان يوقف الحافلة اول حاجز امني، ويطلب من الجميع بطائق الهوية، الامر الذي اسقطني في ورطة لم تكن في الحسبان، إذ البطاقة تحمل اسم رجل بينما هيئتي بملامح امراءة كاملة، فما كان لي سوى النهوض عن المقعد، بعد ان ادعيتُ، بصوت رقيق لم يستطع اخفاء ارتجافه، عدم امتلاكي لأي بطاقة. ونهضتُ في ارتباك واضح. كدت اسقط في تعثر مشيتي، لكن يد الضابط القوية اسندتني، وناولتني حقيبة اليد التي نسيت على المقعد. فنزلت على درج الحافلة الى قاع ورطتي، وانا ألمح في عينه بريقا كنت اعرف معناه.!
- ورطة
- التعليقات