رائحة الموت تزكم الأنوف هذه الليلة،والليل سيمر طويلا كعادته،أضع أمامي على المائدة علبة لسجائر كازا لا يمكنني أن أدخن نوعا ممتازا هذه الليلة على الأقل،تمنيت حينها لو أنني لم ألتحق بالمدرسة يوما لم أتعلم الحساب ولا العد ولم يتكون لي هذا الوعي الشقي الذي ينهش ذاكرتي…الحقيقة بهذه الرقعة التي تسمى وطن لا يمكن أن يتنبأ بها أحد ،الحقيقة هنا كفتاة عشرينية ضاع شرفها في قصة حب وقررت أن تمضي ما تبقى من ليالي عمرها بدهاليز الوطن المظلمة،الكل شهيد هنا والموت يحمل لائحته ويخطف أرواح الطيبين…
كنت أظن أن القدر عادل،عادل حتى يجعل الموت لا يخطف دائما الطيبين فقط،لكن يبدو لي أن الحكمة وراء ذلك أعظم، ربما سمع الرب أنينهم وبؤسهم هنا وقرر أن يصطحبهم معه حتى ينالوا قسطا من الراحة…
أشعل السجارة الأولى أنثر منها بعمق كمن يرغب طوعا أن يتلف رئتيه،لست أعلم كيف يجد الذين لا يدخنون عزاؤهم وسط هذا الكم من البؤس الذي يغلف الوطن،تحضرني قولة أحد الرفاق ذات ليلة حينما أسرفنا بالشرب معا،أستغرب عزيزي ماذا كنا سنفعل إن لم تكن هذه السجارة وهذا الكأس،مدين للعقل الذي سكنت به فكرة هذه اللفافة من الحشيش وإلا كنا سنموت قهرا، حتى علاقتنا مع الرب غير جيدة تراه سيقبل توبتنا ذات يوم،أنثر من السجارة بعمق وأجيبه الرب أرحم من هذا عزيزي لا عليك،إن كان هناك من يستحق العقاب بيننا فسيكون أولائك الذين يمتصون الحياة من البسطاء بهذه الأرض،الذين يتاجرون بنا وفي آخر كل يوم يرمون لنا بضع دريهمات لا تسد حتى جوعنا،لولا هذه السجائر لغادرنا الحياة قهرا منذ زمن يارجل،الرب أرحم بنا وأعلم بكم من وغد هنا بيننا يستحق العذاب لا عليك….
كان ليلا طويلا ذلك اليوم،كانت ليلتي تلك حدادا على أرواح أخرى تنضاف لقائمة هذا الوطن ولا أعلم ما إذا كنت أنا التالي أم لازلت…
- وطن برائحة الموت
- التعليقات