سكون جنائزي يلف في كفن قاتم مدينة تحتضر على شط نهر الحياة. ستار ظلام دامس سميك يكتم الأنفاس، لم تفلح في دحره نجيمات تطل في حياء من وراء ضباب مهيمن. لا يمزق أستار السكون والعتمة سوى أنات وآهات تأتي من مكان ما من المدينة. بغتة هبت ريح قوية اخترق عويلها خواء مغرضا يستوطن عمق الأشياء والكائنات، رغم وهم الامتلاء. كل شيء فقد جوهره، وشكله الأصيل. وباتت قشرة العالم هشة تتشقق مثل بيضة فاسدة تفوح منها رائحة نتانة مزمنة.
من غرفة معلقة في الفراغ يجللها بياض باهت، تسلل خيط ضوء شاحب تَحُدُّ من انطلاقته أنات حرى، لم يصمد أمام أخطبوط الظلام إلا هنيهة قصيرة، إذ سرعان ما التهمه السواد فغاب في أحشائه. في الغرفة جسد نخر أوهنه تداول الليل والنهار، وعصف بحشاشته التيه والعجز والهرم. بين أربعة جدران حُشِرَ الجسد النخر، بل حُوصِر داخل غرفة مع سبق إصرار وترصد.
لم يخطر بباله منذ عقدين ونيف، حين كان يبني هذا المنزل الذي يقطنه، أن كلمة (هذا غير قبر الدنيا)، التي كان يرددها ترديدا ببغائيا، من باب تقليد الآخرين، دون وعي حقيقي بمدلول ما يقول. لم يتلفظ بتلك الكلمة إلا باعتبارها طريقة في الكلام تنم عن تواضع مزيف، يخفي وراءه ميلا متأصلا إلى الزهو والفخر بالمنجز. ستصبح هذه الكلمة حقيقة يعيش تفاصيلها الدقيقة، فقد أُقْبِرَ على مدى سنواته الأخيرة في لَحْدٍ بناه بيديه.
لحده ليس سوى غرفة معلقة بن السماء والأرض، من قبر الدنيا، وجد نفسه محشورا فيها مع كائنات من ورق، أحبها منذ نعومة أظفاره، قضى معها أزهى أيامه، طوقها بحدبه ورعايته، وحرص على رفقتها أينما حل وارتحل. كائنات يعيش معها وفيها وبها… يكلمها وتكلمه، يناغيها وتناغيه، يعبر لها، طوال الوقت عن عشق مكين، يقر لها بالفضل؛ لقد فتحت له الباب ليعيش حياة مضاعفة، وكشفت له عوالم من الدهشة والفتنة، عرفته على تناقضات الكائن البشري في حالات قوته، وعلى انكساره في حالات ضعفه.
هكذا فكر المهدي الحمزاوي وهو يرفع البطانية عن وجهه بتثاقل، تراءى له سريره مثل بيت عنكبوت دبق وقعت بين خيوطه حشرة غرة، انتفضتْ، حاولتْ مرارا التخلص من الشرك الذي وقعت فيه، لكن ما لها من فكاك.
– لا، لست نائما… سأتناول جرعة دوائي الأولى على الساعة الثامنة، وسألتحق بك إن استطعت…
قال لزوجته بصوت لعثمه الداء المزمن بعدما هزته بحركة من يدها معتقدة أنه غارق في نوم عميق، أو لا قدر الله، بعد عمر طويل… من يدري!!
تابَعَتْ حركته وهو يميط البطانية بصعوبة عن الجزء العلوي من جسمه، ثم حرر جزأه السفلي، من ثقل بطانية لم يعد يطيقه، بركلة بطيئة، طوحت بها بالقرب منه في الحيز الفارغ والبارد من سريره. انتظرتْ زوجته برهة، وهي تعلم ما يعانيه من صعوبة في الحركة وثقلها بسبب الداء الذي يكبله، لما انتابها شيء من اليأس أو الاحباط لعدم قدرته على مغادرة الفراش، لوت عنقها وانصرفت.
مرت ساعتان وهو مستلق على ظهره، كَجُعُلٍ مقلوب، عجز عن تغيير وضعه الطارئ، فاستكان على مضض. يحملق، دون حراك، في سقف الغرفة الأبيض في انتظار أن يفعل الدواء فعله ويمكنه من الحركة بخفة وسلاسة محدودتين. استحال السقف أمام ناظريه إلى شاشة عرض كبيرة. اكتسحته كائنات غريبة، رؤوسها المتدلية نحو الأسفل تشبه إلى حدٍّ بعيد رؤوسا آدمية لنساء ورجال، صبيان وبنات، وأجسامها لوطاويط ضخمة كلها من حجم واحد. إذا تحركوا تشابهت حركاتهم، وإذا سكنوا لا تند عنهم أدنى حركة، كأنهم فرقة باليه عالية التدريب والجودة، أعضاؤها عضو واحد مستنسخ. كل شيء في هذه الكائنات متطابق؛ الوجوه، ملامحها كأنها وجه واحد عند الذكران والشيء ذاته عند الإناث، الفرق بينها هو الفرق عند شخص واحد بين أول عمره وآخره. وملامحها ليست ثابتة، بل تتخذ ملامح الأجناس المختلفة القاطنة على وجه هذه الأرض…
- وطواط في رمس
- التعليقات