تحت التراب، رقد لخمس سنوات خلتْ. كان لها زوجا وفيا، كما كانت ظله؛ لا تفارقه حتى وإن غابت الشمس في الأفق. عاشا أخوين، إن شئت توأما، بل روحين في جسد واحد. لم تَدُرْ بخلدها يوما حتمية الرحيل. في قاموسها يغيب الموت وتغيب مشتقاته. عندما فقدت فلذة كبدها، بكت بكاء شديدا. نَعَتْهُ، فقالت: غابَ. حكت لي عن الغياب يوما:
– أتدري، لماذا المولود الرضيع يبكي ويصرخ، عندما تغيب عنه الأم في مرقده؟
– لا، ليست لدي فكرة..
– الغرفة وما فيها، هي العالم الوحيد المحسوس لدى الرضيع؛ لا يتصور وجود المطبخ أو فناء المنزل أو منازل الجيران…
– الآن، بدأت الفكرة تتضح..
– إيه، عندما تغيب الأم يخالها ماتت..عندما يكبر، يتحسس العوالم الأخرى، حتى و إن غادرت الأم الغرفة، بخياله، يعرف أن هناك فضاءً آخر توجد فيه، في نفس اللحظة؛ قد يكون المطبخ أو اسطبلات الأبقار..في ذهنه لم تمت بل غابت فقط.

غاب الزوج ولم يمت. غاب كجسد، لكن تفاصيله حاضرة. لم تَنْحَضر التفاصبل، بل هي من تُحضرها و تُحييها. كلما همَمْتُ بنشر الغسيل، أجد حبلها مثقلا بثيابه؛ جلابيبه البيضاء، طاقيته الحمراء، ربطات عنقه. كل أسبوع تحييه وتنفض عنه غبار الغياب. تُصبن ملابسه، تنشرها، تنفخ الشمس فيها روحه، تزيلها بعناية،تُعطرها، تُحاورها، تُوضبها، ثم تَدُعهَا في دولاب، في انتظار أسبوع قادم.

أضف تعليقاً