يَتسَلَّلُ الطفْلُ { إبراهيمَ }كالثعْبان، عبْر مَسَالِك ضيِّقة بَيْن القبُور، أغْبَر الوَجْهِ، مَعَفَّرَ الْمَلابِس، مُضْطربَ الأنْفاس، شَاردَ الذِّهْن، يرْسُمُ خَلْفَ جِدَار الصّمْتِ مَلامِحَ الحُزْن، يَبُثُّ حُزْنَهُ وَشَكْوَاهُ، يَفتعِلُ التأثرَ..يَتودَّدُ، يَرْفعُ أكفَّ التضرُّع مُتذلِلاً مُسْتَعْطِفًا، يُرْسِلُ نَظرَاتٍ استِعْطافٍ جَانِبيَّة يخْتلسُها كأنَّهُ يسْتغيثُ، يُسْمِعُنِي كلمَاتٍ حَزِينَةٍ مُؤثرَةٍ، يُشِير إلَى قَبْر مَهْجُورٍ ويَقول:هذَا أبِي يرْقدُ هُنَاكَ فِي القبْر المُجَاور لجدِّي، مَاتَ وترَكَ أمَّي تًعَانِي الْفَقْرَ الْمُدْقَعَ، وشَظَفَ الْعَيْش مَعَ أبْنَائِهَا الأرْبَعَة، عَشرَةُ آلآف دِينَار لا تَكفِي لِشرَاءِ الخُبْز ومُسْتلزَمَاتِ البيْتِ !.
رَابَنِي أمْرُهُ، وهَمَّني هَمًّه، وأثّرَ مَنْظرَهُ الْحَزِين فِي نَفسِي، فسَألتُه: مَاذا تفْعَل هُنَا؟ ومِنْ أيْن جِئْتَ ؟ وأيْنَ كُنْتَ مُخْتفيًا؟ ومَا هِيَّ حَاجَتك؟ فأجَابَ عَنْ الأسْئلة إجَابَاتٍ مُتقطعَة تَنِمُّ عَنْ ذَكَاءٍ، قَلتُ فِي نَفْسِي إنَّهُ مُهيَّأ لِعَمَليَّة الَشَّحْذ بِمَهَارَةٍ واقتدار! سَألتُهُ: أنْتَ تلمْيذٌ قي المَدْرسَةِ ..أجَل.. في أيِّ سَنة تدْرُسُ ؟ قَال: أنَا تلميذٌ فِي السَّنة الرَّابعَة، قلتُ لهُ : مَا شَاءَ الله..أنْت تُحْسِنُ فنَّ التمْثِيل، ألَيْسَ كذلك؟.. بَلَى..وتمَارِسُ عَمِليَّة التَمْثِيل؟أجَل.. هُو كذلِك، يمُدُّ يدَهُ لِيُغْلِقَ فاهُ مِنْ هَوْلِ الخَجَل، يُخْفِي وجْهَهُ بذِرَاعِه الأيْمَن، يترَاجَعُ خَطوَاتٍ إلَى الوَرَاءِ، ينْفَجِرُ ضَاحِكًا، ويُقول بِبَرَاءَةٍ الأطفال: أبِي هُو الذِي عَلَّمِني التحَايُل، و دَرَّبَنِي عَلى التَمْثِيل،لأجْمَعَ مَاتيَسر من ألدَرَاهِمَ، قلتُ له: يا وَلَدِي “..الْحِيلَةُ فِي تَرْكِ الْحِيَّل..ِ” قال: اعْرفُ ذَلِك، لكن أبِي يَرَى فِي التسَوُّلَ تِجَارَةً رَابِحَة، يُشجَعُنِي عَلَى ذَلِكَ، والِدُك يُشَجًعِكَ عَلَى التَسَوُّلِ لكن لَمْ يَقُلْ لَك اكْذِب..! فَجْأة يُديرُ ظهْرهُ ويَلوذُ بالفِرَار، رُحْتُ أطلبُه وأترَجَّاهُ أنْ يَعُودَ لأمْنَحُهُ صَدَقَة، وأخيرًا وضَعْتُ لهُ الْمَبْلغ عَلى جِدَار السُّور، فانْتظرَ حَتَّى غادرَتُ المَكانَ، عَادَ ليأخُذ الْمَبْلغ وهُو فِي حَالة انْتِشَاءٍ، مِن بَعِيدٍ يلوِّحُ بكلتا يدَيْه يُحَيِّيني..! وعَلاَمَاتُ الْفَرَحِ بَادِيَّة عَلَى وَجْهِهِ..

أضف تعليقاً