وهذا الرجل الظاهرة انبرى عَابثا يقتل البراءة والحُبَّ في بَيْته دُونَ وَعْيٍ، يتوَعَّد الزوْجَة يُهَدِّدُها بالطَّلاق إنْ لم تنْجِب لهُ أخًا لوَلَدِه، غَرِيبٌ أمْر هَذَا الْكَائن الْمُتوَحِّش.! وَهَلْ الزَّوجة مَسْئولة عن الإنْجَاب واختيَار مَا تُنجِبُ حَسْبَ الطلَبِ و!الْمَزَاج؟!
01- رأيتها تنحَتُ غيْمَة من آهَاتِهَا، تُردّدُ سُؤَالا بَاهِتًا عَلى المَسافات، تريدُ سَماعَ صَوْتٍ أنْقى من رَنينِِ الصَّخْر، أيَّتُها الغمَامَة افتَحِي أحْضَانَك، امْلئِي الحَوضَ أمَلا ،أرْوِي عَطَشِي قبل أنْ تهبَّ الريَّاح الخَرْقاءَ وتلعَقنِي، لم تُخطئ الريَّاح الْعَاتيَّة في ذلك الْصبَاح، كادت أنْ تقلعَ أوتادَ البَيْت، هبَّت هوْجَاء مزمْجرَة وكانت بحق مزلزلة..ما ذَنبُ الأطفال فيمَا يَقترِفُه الكبَارُ من آثامٍ وحَمَاقَاتٍ؟ وهل الآبَاءُ بعُنفهم يزْرَعُون الوُرُودَ ؟ أمْ أنَّهم يَسْرقون الأحْلام الدَّافئة من البَرَاءَة ولا يَشْعُرُون؟ أجَل..إنَّهُم يَخْطَفوُن اشْرَاقََاتٍ الابْتسَامَة الْوَدِيعَة قَبْل أنْ تَنْضُجَ، ويصْنَعُون الفزَعَ فِي الْبُيوت الآمِنة ولا ينتبهون؟ وهذا الرجل الظاهرة انبرى عَابثا يقتل البراءة والحُبَّ في بَيْته دُونَ وَعْيٍ، يتوَعَّد الزوْجَة يُهَدِّدُها بالطَّلاق إنْ لم تنْجِب لهُ أخًا لوَلَدِه، غَرِيبٌ أمْر هَذَا الْكَائن الْمُتوَحِّش.! وَهَلْ الزَّوجة مَسْئولة عن الإنْجَاب واختيَار مَا تُنجِبُ حَسْبَ الطلَبِ و!الْمَزَاج؟! إنه لأمْرٌ عَجيب ومُخْجِلٌ..! هل باسْتِطَاعَةِ أيِّ امْرأة أن تُلبِّي رَغْبَة زوْجِها بهَذِه السُّهولة؟! إنها تُعايش إنسَانًا بِدَائيِّ السُّلوك، مُتكلِّسُ الفِكر، تتوجَّش منه خِيفة، نيَّاط قلبِها تَكَادُ تَتقطَّع من شِدَّة الهَلَع فِي بَيْتها وَمَع أوْلاَدِهَا.. يُسْبحَان الله.
02- تتكفَّن الألسنة في الأفواه وتخْرسُ، وتجفُّ الشِّفاه وتندَلِق الدُّمُوع شَلاَلاً، تقفُ مَبْهُوتة ذَاهِلَة ومَاعَسَاها تَفْعَلُ؟ ..تَلتَفِتُ يُمنة ويُسَرَة..تنظرُ..تتطلعُ ..تسْأل.. تتحَرَّكُ..تدُقُّ ظهر الأرْض برجْليْها الحَافيتين في حَرَكَةٍ عشْوَائِيَّة بَائرَة، وتهُبُّ الريّاحُ بما لا تَشتَهِي سُفن أحْلامٍ أمٍّ مَلهُوفَة تلهَجُ بالدُّعَاء،ربَّاه..! وقد رَمَتْها الليَالي بأحْجَارِ عمياء طائِشَة، تشْفقُ على العيُون المُسَهَّدَة القرِيحَة، عن بَناتِ يَرْتَشِفن أحْزَانًا ولا يُغْمَضُ لهُنَّ جَفنٌ، وَعن وَحِيدِها غرّة عَيْنَيْها هَذا الذِي يُحدِّق في وجْهِهَا مُشْفِقا مُتألمًا كئِيبًا وقد اسْتوْلى الرُّعْبُ عَلى أقطارِه، طفل وديع، رَقيق العُود،حنون، ناعم الْمَلمس، مدهن الشعر، مهذب الكلم، مَهموم درجة الإحْبَاط.. خائف من يد والده أن تمتد للاذايَة، ينظرُ من فرْجة الباب، يلمَحُ وَالدَه يلوِّح بكلتا يَديْه هَائِجًا كأنه يحْمل قلبا ليس في الأصْل له، يصمُّ أذنيْه ويُربكه ذلك الهُرَاء، فيَضعُ يَدَيْه على أذُنيْه وقلبه يُذوبُ كَمَدًامع قلبِ أمِّه، تفقد صبْرها، يَرتعِش جَسَدها وقلبها يَنفطر، يُوشك أن يفقد نبْضَه من شِدَّة الْهَلع، تُطلق صَرخَـات الْفَزَعِ والاسْتغاثة.. يتوعَّدها ..يَضْربها..يقلب الطفل كتابَه..يَتنقل في غرفته تَائهًا..غَارقا في هُمُومه..يَرْتجف لصَخَبِ الأصْوات الشَّاتِمَة، يكتب كلمَاتٍ بلوْن بُنيٍّ قَاتِم عَلى ظهْر كتابه..آه..أمّاه..! أنا مثلك أعاني.. أشعر بالظلم..القهر..الصراخ…فأينَ المَفرُّ؟ يَفْزَع يَرْفُسُ أشْيَاءَه، يُبَعثر أوْراقه، يُمزِّقها إرْبًا إرْبًا، يرْمي بكتبه في زوايا الغرفة مُشَتتَةٌ، يضعُ رَأسَه بين رُكبتيْه، يَذرفُ دمُوع أحْزانِه بسَخَاءٍ؛ في الصَبَاح يتأبَّط مِحْفظته ويَتلفَّع أحْزَانَه ولا يَعْرِفُ أيّ طريق يَسْلكُ إلى مَدرَسَتِه، وَحَتى لا يَلتقِي بالرِّفاق لَيفرَح بأفراحهم ويسعد بمرحهم..يمشي الهُوَيْنى وَحْدَهُ مُتخمًا بالإحْباط، يرْكن أحْلامَه قبل أن يَخطو خَطوَاتِه المُتعَثرَة، يَسْكب دُموع الْحُزن يُجَفِّفها، يَطلق أنَّة وزفرة، تنهدات متلاحقة، خَائفٍ عن أمِّه مِنْ وَالِدِه، مُرتعب من تصرفاته وطيْشه ومَا آلت إليه أوْضَاع البيت..هُو مُستاءٌ..خَائفٌ.
03- وليست البَرَاكِين وَحدَها تثورُ..! تتكسَّر الأقفاص لتهْرُب العَصافير من سجنها..ليهيجَ القلبُ المتيَّم، لم يعد يدري كيف الخلاص؟ يتفجر في داخله الهم والغمُ يتغيب عن الدراسة، يتسلل في صَمْت رَهيبٍ، يُبارح البيت..هائما ؟ وإلى أين ؟ كان تفكيره أكبر من حلمه وحُلمه أكبر من حَجْمه .. يرحل بمفرده ذات جمعة قاصدًا شيْخ الزاويةّّ {البلعمورية} المشهود له بالصلاح؛ رجل من الدُّعاة الطيبين، يقتربُ منه، يبتهجُ لنظراته العَميقة تلك التِي تَشِعُّ دِفئا، يتودَّد إليْه وَيَتلطف؛ يَلتمس منه أن ينتشله من مُستنقع اليَأسِ..يَرْمِيه النَّاس بالأحْدَاق..يَتسَاءَلُون في هَمْسٍ.. مَا قصَّة هذا الفتى؟ يَسْتَرِقُ النَّظر مُعَاتبا، تَتورَّد وجْنتاه خَجَلا، يترَجَى الشيْخ أن يَسمَعه ويُسْعِفه، وفي قلب البَرَاءَة ألْف زَهْرَة وزَهْرَة تعْبَق وتفُوحُ .. يُصْغِي إليْه باهْتمَام وقد أذهَل عَقلهُ، فأخَذ يُهدئ من رَوعه فيُطمئن قلبه ويتخلصُ من الخوفِ، لم يتمالك نفسه فيُجهش بالبُكاء..إيه.. حين تتفتح البراعم بلا خوْف يعْني هذا أنَّ الحقول ثريَّة مُعشوْشبَة نَديَّة، وأنَّ الفرَاشات مَزهوة تُقبل الأزْهار فِي رفقٍ وتدَاعِبُها بدُون خَجل، إنَّ الكلمَات الكريهَة الشَّاتمة تَشمَئز من سَماعها النفوس؛ وترفُضُها عُقول الصبية فضْلا عن الكبار لأنها هاَدِمَةٌ، كلنا نَتشهى كَنسَها بِِلطْفٍ لنَعِيشَ فِي أمن وطمأنينة وسَلام، نتغنى مع الطيور أنشُودة الحُب والحُريَّة..كل الأطفال يغسْلون البيْت بالغناء والثرثرة الْجَمِيلة والرَّكض بَحْثا عن السَّعادة، يُنيرون البيت بابتسَامَات صاخبة تتحَوّل إلَى نَشْوَة لذَّةٍ ولمَعان تطرد الخَوف ذلك الشَّبح المُرْعب، فلمَاذا يا أبَتي تسْطو على أحْلامِنا وتَقتلها بسُلوكك العُدْوانِي، وأنت العزيز فينا المُبجَّل.. ! لماذا توردُنا موْرد الهلاك وترْمينا في ذاكرة الأوْهام؟! حِزَم من الأسْئِلة تسْكننا كالخوف.. وليس لنا رجَاء عندك إلا التوبة، متى تعود إلى وعيك يا أبَتِي وتُنصِفنَا؟ فلا أحد غيْرُك يَزْرَع الْقُبَل ويَرسُم الابتِسَامة الرَّاعِشة على الشِّفاه..! .
- وفِي صَمْتٍ الْبَرَاءَةِ يَتَسَلَّلُ خَلفَ الْخَجَل
- التعليقات