منذ ذلك اليوم وأنا أصبحت أسير وراءه من شارع لشارع ومن حارة لأخرى لاحظى على تميزي بين الغلمان..
اسود النهار في عينيّ، وأسدلت المباني والمحال ستار حزنها الغامق، ونبحت كلاب الخوف في قلبي، وأنا ألف خلفه ساعات النهار كله.
كان يرمقني بنظرات الفضول، ويرش وجهي بين الحين والحين بايتسامته المتسألة تدب اليقظة في أوصالي على الفور في همة أنحني أجمع حجياته من على الأرض وأضعها في جرابه، وأنا أزاحم تصفيق الأولاد والنساء والرجال كي ألحق بصوته، وأبحث عن خصوصيتي في أوامره.. يجلدني باللا مبلاه، ولم يكلفني بعمل واحد مما تفوقت به من قبل.
حط صندوقه الخشبي أمام عشته، وأنا أساعده دون طلب منه.
ـ خلاص.
ـ خلاص؟.
فجأة عادت سنواته الكثيرة ترسم معالم وجهه، وهو جالس على باب عشته يتأملني، ويده تستند على صدغه.. تسرّبت في سرعة البرق الهمّة، وتطاير النشاط من على جسده الذي بدا في الليل كهلا.
زحفت مستترا في رجاء العاطفة التي بدت على عينيه رغم الشقاء لاتوارى منه وأجلس بجواره لأسقط تساؤلاته عني.
ـ اذهب لأمك.
نكست رأسي دون جواب.
ـ أبوك يبحث عنك.
سقطت الدمعات رغم محاولاتي.
كسرني بوجهه المرعب الذي أداره إليّ.. ثمة رعشات سريعة في الشفة السفلى أكلت حروف كلماته المغمغمة.
ـ الشتاء هنا قارس، وربما الجوع.
أعطيته وجهي الضعيف بعدما انتصرت عليه الدمعات.
كما أنه الهذيان رمى وجهه بعيدا، وهو ينظر في جعبة الذكرى.
ـ ضل مني ذات يوم ولم يعد.. عد أنت.
حركت رأسي في تيه مدهوشا محملقة عيناي.. أستدر أنا الآخر ذكريات تؤكد عزمي على البقاء.
ـ طردني صاحب المقهى.
سمعني في تركيز.
ـ الشرطي حذرني أن أنام على الرصيف مرة أخرى.
هز رأسه في إمعان.
ـ زوج أمي ضاق بوجودي.. أفسد متعته مع أمي الشابة.. الراغبة.
أنار كون وجهه بابتسامة حنون.. ضمني.. ضحك.. قهقه.. زغرد بريق دمعاته في مقلتيه.. ابتسمت وأنا مازلت على تيهي.
ـ كنت موظفا في البلدية.. أعمل حارسا.. لم يسعفني مرتبي الضعبف أن آتي بزوجة رحيمة تكون له أم.. أتركه أغلب ساعات النهار حتى أعود.
ضحك وقهقه وصخب.
ـ كنت أحذره كثيرا ألا يبرح هذا المكان حتى أعود، وبرح..
في رعشة الجنون وبعينين خرجت لامتار مرعوبة ترعبني.
ـ أخذت أبحث عنه في كل المدينة.. صادقت الأطفال.. تسامرت مع الكبار.. أهملت عملي.. اقتات من عطفهم .. لاعبتهم.. تعلمت فنون الحاوي.
عاد يضحك.
ـ اشتريت هذا الصندوق بداخله حكايتي وكل حكايات الأشقياء.. مرت السنوات ولم أجده.
صاحبته في كل مكان ولم يفارقني، دربني وعلمني وزاد من تميزي بحركات بهلوانية أسحر عقول الكبار والأولاد الذين طردوني من لعبهم لكثرة شرودي.
نمت في حضنه سنوات كثيرة حتى سكت قلبه الراقص الذي يرفع رأسي صعودا وهبوطا كأرجوحة لم أفلح في طفولتي أن ألعب بها..
على لسعات المطر وجلد الشتاء أحمل صندوقي الخشبي على ظهري المنحني.. أبحث.
- وليف
- التعليقات