- لقد قلتها لك ،ياعبده.. البغلة حامل. وانت تهرف انها تسمن يوما عن يوم.!
- انت، ياخديجة، من يهرف، البغلة لاتحمل.!
- وذاك السائل اللزج الذي اصبح يسيل منها.!؟ انا امراءة واستطيع ان استشعر نبض الجنين حتى ولو حبل به الحجر.!
- قد يكون شحم سمنة زائدة يذوب.!ومن ذا الذي لايسيل منه سائل ما.!؟
- انت احمق ياعبده.!
- ياخديجة، ياعاقلة، البغلة لاتلد.!
- لكن هذه الملعونة التي اشتريت ستلد، ستتمخض عن يوم القيامة ياعبده.! ألم تسمع ان البغلة إذا ولدت قامت الساعة.!؟
- سمعت، ياخديجة، لكنها لاتلد.!
- هذه ستلد.!
- لن تلد.!
- ستلد، قلت لك ياعبده، ستلد، وستقوم الساعة. لقد اشتريت مع هذه البغلة اوان الاجل ياعبده.! لااريد ان اموت ياعبده..اريد ان انبت جنينا في تراب رحمي.! انا لم اشخ بعد.! آه، ياعبده، لو حبلتُ انا عوض البغلة..
- البغلة ليست حاملا ياخديجة.!
- بل هي كذلك.!
- انها سمينة، سمينة، سمينة.!
قالها عبده بضيق، وانقلب على الجنب الآخر، مديرا ظهره لزوجته، بحركة فيها قدر من اللامبالاة جعلت السرير المتهالك يهتز في أنين تحتهما، وجلبتْ له لكزة من مرفق زوجته منبها اياه الى الترفق بالسرير، لكنه رد ساخرا بصوت بطيء ثقيل يغالبه النعاس: - دعيه يتكسر تحتنا، ياخديجة..لاحاجة إليه بعد ان تلد البغلة وتقوم الساعة.!
- عيب، ياعبده، البغلة حامل وانت تسخر مني.!
لم يرد عبده. كان متعبا حد الارهاق من جهد نهار آخر قضاه وراء المحراث. إذ سرعان ما اغمض عينيه وترك خديجة تتقلب فوق مقلاة من قلق رهيب ينفتح على ظلام مرعب، تارة تطفأ فانوس الغاز واخرى تعاود ايقاده، كما لتتأكد ان البغلة لم تلد بعد والساعة لم تقم.! لم يكن عبده مطمئنا تماما الى مايقول.. صحيح، في البداية ضحك حتى انقلب على ظهره من كلام خديجة. لكن الشك صار يراوده بعد ان لاحظ بنفسه انتفاخ بطن بغلته المتسارع، ولاحظه غيرهما من الناس، بل هناك من اقترح عليه أخذ البغلة الى بيطري ليفحصها، فكان يرد مازحا، هو الذي لايستطيع حتى نطق كلمة بيطري ولم يسبق له ان زار طبيبا بالاحرى بيطري: - انا سخي مع بغلتي، ايها البخلاء. اغذق عليها بكل كرم العلفَ كما لاتفعلون..خمسة وخميس على عيونكم.!
حقا كان يخشى العيون العائنة. بل صار، حين يلح عليه احتمال ان تكون البغلة حاملا، بغلته هو لاغيره، يفكر في العين التي تطيش منها سهام الحسد.! فكيف يعقل ان بغلته التي فرح كثيرا يوم اشتراها وذبح على شرفها ديكا سمينا، ظانا انها قفزة في حياته بعد عناء وجهد ستمكنه من الحرث كي يوفر مؤونة من الحبوب والتبن تعفيه من ثمنهم في السوق، انها حامل، وستلد يوم القيامة وتجهض الى الابد الاحلام التي نامت في صدره واستيقظت على حوافرها.!؟ - إنها العين، بل عيون تجمعت في قوة عائنة ستحط كاللعنة على بغلته، ان حصل وحدث.! وما المانع ان لايحدث، كان يقول لنفسه بخوف متعاظم، إذ من علامات الساعة حدوث مالايحدث دوما، كما يقول العارفون، كأن تطلع الشمس من جهة الغروب، وتغرب من جهة الشروق الى الابد، كذلك يمكن ان يحدث وتلد البغلة التي لاتلد دوما.!؟
ترك السؤال معلقا كسيف فوق رقبة، وغرق في نوم لم يستيقظ منه إلا مع بزوع خيوط الصباح الاولى، رغم اهوال امواج احلام سوداء غمرت ليلته تلك، على غير العادة، وماكانت لتدع جفنه مغمضا لولا التعب الذي انهكه، ولم يجد طاقة للاستيقاظ منها وتجرَّعها موجة موجة حتى آخر قطرة زبد مالحة. لهذا فتح عبده عينيه واحس بهما كعين غريق لاتصدق انها نجت، وادرك انه عبَر امواجا من الكوابيس خلفت في نفسه قلقا عميقا بلغ حد الرُّهاب من امر فاجع سوف يقع. فاندفع من فراشه كأنه هارب، دون ان يوقظ كالعادة خديجة المرهقة من أثر أرق حاد طويل كحد السكين على عنق قيد الذبح. لم يغسل وجهه، بل توجه توا الى مربط البغلة. اعتراه خوف شديد، تسارعت نبضات قلبه، تدافعت انفاسه، سال اللعاب من بين شفتيه المفتوحتين، شُلت يده عن فتح الباب، ليطل على البغلة. سمعها تهمهم بصوت فيه رقة امومة واضحة، وبالكاد استطاع ان يتلصص من شق في الباب الحائل. بدا له انه رآى كائنا يشبه الجحش امامها فيما هي تلحسه. كاد ان يسقط، فاستند الى احجار السور، ونادى كما دون وعي: - خديجة، ياخديجة..
طارت خديجة من عش نومها..وما إن لمحت ملامح عبده المختلطة في ذهول، حتى صاحت مولولة: - قلتها لك.. البغلة ولدت، والقيامة على الابواب.! لماذا اشتريتها ياعبده.!؟
- وهل كنت اعرف، ياخديجة، وكنت تعرفين.!؟
رد عبده بصوت يشارف الهمس، حاثا خديجة ان تفتح الباب وتطل اولا..لكنه خار على الارض، حين رآها تغلق الباب مرعوبة بعد ان خطفت اطلالة كالغمزة، وتطلق صرخة كأنها صوت انفجار قوي لكل ينابيع الحياة التي كانت تتدفق في اعماق جسدها دفعة واحدة، وتسقط كخرقة تخلت عنها الريح بلاحراك. غامت الدنيا في عينيه، واحس انه نقطة ضوء الى انطفاء في غمار ظلام يتقدمه غروب زاحف.. اما حين سمع الناس صرخة خديجة، وتسامعوها بينهم، ثم تدافعوا الى داره، أيقن عبده ان القيامة قامت حقا..ولما ذاع الخبر الى اقصى البقاع، واقبل الصحفيون متسابقين وعلى رأسهم المسؤولون المحليون ومعهم علماء وبياطرة وكثير من الفضوليين وهوات الاخبار الغريبة، على ظهور البغال والحمير حتى دار عبده، بعد ان ازداد الطلب على ظهورها، ظن ان ساعة الحساب قد دقت، فبكى بحرقة وتسليم لما اشتعلت عيون الكاميرات، ثم تهاوى كجسد من كرطون عندما قربوا منه الميكرفون، وتراءى له الهواء ألسنة من لهب، ولم يعد الى وعيه إلا حين جلس على حافة السرير، وشاهد في هاتف زائرٍ لمريض يجاوره في صالة المرضى بغلته وقد صارت بطلة في وسائل الاعلام، فبكى بحرقة وقال بلوعة لاشفاء لها ودون ان يتوقع ردا: - آه، ياخديجة، لو انتظرتِ قليلا، قبل ان تموتي.!!
- ومن الخرافة ماقتل
- التعليقات