حينما كنت صبيا، افتكَّ مالي، وهشّمَ فكِّيَ الأسفلَ، صديقٌ يكبرني، لم أستطع مقاومته لحظتها، فحقدت عليه. ذات يوم شاع خبر انتحار فتاة تقطن حيَّنا، وانتشر اسم الأداة انتشار النار في الهشيم. كسرت حصالتي واقتنيت العقار، طبخته جيدا ووضعته في آنية أحسنت إخفاءها، حتى إذا ما لاح العدوّ فذّا في (راس الدرب) أقبلت عليه وبين أناملي لمجة الطون والحرور و”بْالرّْسْطْمْ” مدسوسٌ، ممزوجٌ بهما. وشيّعت صديقي مع المشيعين، أبدي أسفاً مصطنعاً، وأومؤ برأسي ، في تبرّم،ٍ موافقا كلّ نصيحة تصدر من كبير:
“ما تاكلوش الماكلة دالزنقة”.
عشت بعدها في ودّ ووئام إلى أن أتى يوم صفعني فيه عربيدٌ، ظلماً وعدوانا. شعرت بالقهر وبالغلبةٍ وبحقدٍ تأجّج اتجاههَ، ولم أنسَ صنيعَه ذاكَ، إلى أن ألفيته ذات صدفة في حمّامِ حيّنا الشعبي، في الغرفة الأخيرة حيث صِهريجٌ عميقٌ ينبعث منه فوارٌ كالحميم، ولم يكن أسهل، وقد أدار الرجل ظهره المحدودب يستستقي مطمئناً، من أن ألقيَه في الجحيم وأعود لأستأنف استحمامي في الغرفة الوسطى، وسط صرخاتِ استغاثته.. حروق من الدرجة الثانية أجهزت عليه.
ومضى حَولٌ، لم أقتل فيه عدا كلبَ ابن الجيران لأنه أوغلَ نابَه في في بطن قطتي، وقطتي لأنها افترست كتكوت جارتي، وبغلَ جدّي لأنه اعتدى جنسيا على حمارةٍ مسالمة، وثعباناً، وبضع ذبابٍ، وبعوضتين لأسباب مختلفةً. وقد كان من المؤسف، بل ومن غير المنطقي أيضاً، وغريزة القتل قد ولدت وتنامت بداخلي أن أعيشَ هاته العطالة كلّها، لولا أن قاتلا ذا مبادئ مثلي على تعطّشه للدماء ما كان ليقتل دون سبب وجيه. ووجدته، ومعه ذريعة مقنعة أخرى لأقتل.. بل لأقتلَ في كل وقت وحين.. لأقتل.. دون توقف.. دون لحظات فراغ.
أن أقتلَ.. لأحقق العدالة ولأقتصّ من الظالمِ حتّى لو لم أكن المظلوم، مثلما ظلّ يفعل بطل رواية بوليسية شهيرة، قبل أن ينتحر. وهكذا، وفي ظرف عشر سنينَ قتلت ألفاً، بمعدّلِ مائةٍ في كلّ عامٍ، دون رحمة ولا شفقة، ولا وخز ضمير، وبصيغ مختلفة اكتسبتها بالقراءة وبمشاهدة الأفلام أو ابتكرتها شخصيا؛ بيد المهراس، وبحقنة مورفين، وبخليط من مواد كيماوية متفاعلة استنشقتها إحداهن، ومرّة دسست سمّا لأحدهم في مشروب، وفي يوم ألقيت بآخر من علوّ شاهق، وفي آخر، أضرمت النار في طاغية كان يغطّ في نوم عميق، ومرّة دفنت أحدهم حيّا بعدما أوهمته بوجود كنز في حفرة عميقة وضعت فيها سلّماً سحبته بخفة بعدما غاص الرجل، ثمّ طمرته في التراب، ومرّة بتسريب الغاز… أي نعم.. تترى، تترى.. أزهقت أرواحهم، وبأثر رجعي أيضا وأنا أدسّ سمعي في المجالس وألتقط الحَكايا والمظلوميات.. وما كللت يوماً وما ضجرت، بل بحبّ قتلتُ، وبزهوٍ، وإبداع، وبوازع عميق، وبذكاء شديدٍ أكثرَ من كلّ هذا وذاكَ.
وما انكشفت يوماً وما أشارت إليَّ الأصابعُ بشيء حتى وهم يعثرون عليَّ غير ما مرّة في مسرح الجريمة. طفلٌ في مسرح الجريمة لا يمكن أن تحوم حوله الشبهات..
_ “صدفة هي ولا شك؟!ّ” يردّد دائماً ذات المخبر الغبيّ وهو يربت على كتفي في لطف.
وعشقت شخصية القاتل الواثق التي صرتُها، أمشي الخيلاء أصطفي الظَّلَمَةَ، أنظر إليهم ببرود وتفوّق، وأتوعّدُهم في قرارة نفسي:
_”أنت رجلٌ ميّتٌ، إن هي إلّا مسألة وقت فقط”…
وها أنا ذا في عقديَ الرّابع الآن، أحصي قتلاي؛َ عشرة آلاف… وما فتئت أتطلّع إلى المزيد لولا.. أن قاضيا يقطن بالقرب أقضّ مضجعي.. في البدء كان ينظر إليَّ، ينظر إليَّ وفقط. ثم صار ينظر إليَّ بفضول، يسبرُ أغوارَ أغواري، يتصفّحني كما الكتابُ. وها هو ذا بقبعته القصيرة ومعطفه الطويل ولحيته المشذبة بعناية فائقة، تحتويني نظراته العميقة الحكيمة المريبة؛ تتعقبني أينما حللت وارتحلت. وأنا.. أنا، بِتُّ أخشاه، أتوجّس منه، أتحاشى النظر في عينيه مباشرة، كي لا أصطدمَ بحدس بدأ يرتقي درجةَ اليقينِ من أنّ الرجلَ يعلم عنّي كلّ شيء. وها نحن أولاء، من شرفة شقّتي، ننظر سويةً إلى ذات الأفق البعيد؛ هنالكَ حيث تتوارى الشمس، في بطن الأرض، رويداً رويدا.. بينما يرتشف هو من فنجاني ثابتا على ذات النظرة الواثقة وأنا كالطفل بين يديه لا أدري كيف حدث هذا التطبيع بيننا، أو بالأحرى، كيف حدث هذا الاختراق؟!، حتى أنه قادني إلى حيث صندوقيَ الأسود، في الغرفة العتِمة؛ دسّ يده بحزم وأخرج دفينتي، ثمّ ها هو ذا يهدم أسُسَ نظرياتي، يدوس برجليهِ أدبياتي، ويرفع الغشاوة عن عيني..
_ الظلم خَلقُ اللّه..
هكذا قال، وأردف:
_ لا عصمةَ إلا لنبي.
ثمّ أقنعني منطقه البتّار:
_ لا تَناسُبَ بين جرائمكَ، وأفعالهم، أوليسَ السّن بالسّن، والعينُ بالعينِ، والصفعة بصفعةٍ مثلها…؟.
وطفقَ يعدّد ضحايايَ وينبشُ الحيثيات والمآلات.. بينما أقتفيه أنا، في انصياع تامّ إلى مشيئته القاهرةِ؛ كما المنوّم مغناطيسياً، أو كما الشاة تساق إلى نحرها، إلى حيث أومأ لي وأنا أتمتم:
_ لا تن.. لا تن.. لا تنا..سب، بين جرائ…
حينما توحّد الرّقّاصان الأكبر والأصغر معلنَين تمام الثانية عشرة منتصف الليل، أزحتُ الكرسيَّ من تحت قدميه.. وردّدتُ قبلَ رمقِه الأخير.
“عشرة آلاف وواحداً”.

أضف تعليقاً