01 – كان أبوه غارقا في قصة حب،أنسته البيت والأولاد، مات ابنه الكبير في حادث مرور، وتزوجت ابنته في بلاد الغربة، وبقي مَحْمُودٌ ذلك الفتى اليَافِعٌ في البيت يئن، أصَابه الدَّهْر بسَهْم طائش فأدْمى قلبه، اخْتفَى وَالِدُهُ في ليلة غاب فيها القمر، بقيت أمُّه كسَحابة تظلله، ومن فيُوض رُوحها تمدُّه، والأمَّهات كتلٌ من الصبر{ ومن كتم داءَهُ قتله} تغلق عَينها المُتعبتين لتمْحُو السَّواد، ترْسمُ له دَروب الحياة المضيئة ليَهْنأ، تسْخرُ من الألم وتُجَازفُ، والنفسُ مَسْكونة بالضَّجر؛ وحَسْرتاه ! أحْلامُها باتت مُسيّجة بجرَاحَاتِ الانتظار، بشظف العيْش، بشيْءٍ آخرَ تخْفيه، في تلك الليلة الحزينة، كانت تُرْسل نظرَاتها البائسة، والناس يغطون في نوم عميق، محمود يجهل ما يخفيه القدر، همَست إليه بصوت مُضطرب: محمود هي ذي اللحظة الرَّهيبة قد حلت.. وداعا يا ولدي.. أنت رجل، وسيد الرجال، اخترت لك ابنة الحسب والنسب فتزوجها، التزمت الصمت هنيهات، ثم استأنفت الحديث ببطء، سيعود والدك من البعيد نادمًا، وسيقف معك، أخذت أنفاسُها المُعطرة تتسلل في هُدُوء، إنها ترحل إلى الدار الأخرَى، لحظات رهيبة جدا، بله اشد هولا على محمود، إنها ترحل..اجل.. ويبقى وحده واجمًا، يتأمل ما حوله بعين زائغة مُرتاعة، يُكابدُ مرارة غياب أمِّه، وهو في ذرْوة الانكسار والإحْباط، في كفِّ الليل الممدُود يُعانقُ غرْبته، يُمزِّق اليأس أحْشاءه، يتحوَّل البيْت مع الأيّام إلى مُستوطنة للحَشرات, حيث الظِّلال مُلائِمَة لمرُور ألعناكب والجرذان، تُحاصره العتمة من كل الجهات، ولا احدَ يلمَسُ الباب يَسْأل عنه، يُذله الفقر إذلاَلا، وتنهشُ جَسَده الطري الأسْقام.
2- ذات ربيع وفي يوم ماطر، يَطرقُ البابَ شيخٌ مُسنٌ، يَحْملهُ الصَّمت إلى فوهة المساء، كأنه قادمٌ من عَالم الأشباح، قوَّس الدّهر ظهر، واثنت الأيّامُ يده على عَصاه، كان يلتحفُ أسْمالا رثة مُرقعَّة، على ظهْره رزمًا من الأطعَمة والملابس، يفتحُ الفتى البابَ وهُو في حالة يَأس، يَتململ داخل أكوَام مُكدَّسة من ألأحْزان، جِسْمه ضامر مُتهالكٌ، كأنه ينتعلُ البؤسَ، أو يحمل الموت على كتفيه، الأفق مُظلم ممدودٌ بين يديْه، يتجرّعُ علقم الوحْدة والعيْش النكد، ولا أحَد يُبالي به، يضعُ الشيخ حُمولته، يُسلمه الرِّزمَ ومبلغا من المال، دُون أن ينبش ببنت شفة، ينصرفُ في هُدُوءٍ إلى حال سَبيله، بخطوَات واثقةِ دُون أن يَلتف، يُخفي الفتى الابْتسَامة المرْتعشة في صحْراءَ قلبه القاحِلة، يمشي مُترنحا على أطراف أصابعه، ويكتفي بقدْر قليل من الصَّمْت، في تلك الليلة ينعُم بالسَّكينة والظفر بالغَنيمة، وفي السَّكينة يُمكن لأرْواحَنا أن تُزْهر، وما هيَّ إلا أيام قلائل حتى أخذ يستعيدُ عافيَّته، ويتحسنُ وضعه، وتحُومُ رُوحه في كل الاتجَاهات، فيلهُو بأحْلامه، والحلمُ أحْيانا مُنعَطفًا للترْويح عن النفس وإسْعَادِها.
3 – يمُرُّ الشيخ ذات مساء يتحسّسُ الأخبَار، يلتمسُ الأعْذار من عُمق ضَباب مَاضيه، يَبْسط أجْنحَته على المَكان، والعيُون تكتشفُ ضِفاف النهَايات، يجْلسُ على حافة الرّصيف يَنتظر، والأرْواح مُدجَّجة بالصَّمْت، وفي القلب آهَة مَخنوقة، يقبل الفتى مُتلطفا يُعانق نبض الكلمات، فيَسْأله الشيخ بصوْت خافت: كيف حَالك؟هل تعيشُ وحدك؟ أجل.. لماذا لا تتزوَّج ؟ يُجيبُه الفتى مُتألما: الحياة قاسية لا ترْحَم، ليس لديَّ مَال ولا أهلٌٌ ولا عَمَل، يتنهدُ الشيخ تنهيدة تشبهُ الزّفير، والدَّمْعُ رقراق في عيْنيه الذابلتين، ما قيمة المهر ولوازم العُرْس؟ يضْحك الفتى ضحْكة سَاخِرة، المبلغُ يفوقُ الثلاثين ألف دينار، يلتزمُ الشيخ قليلا من الصّمْت، ثم يُدير نظرَه وكأنه يَختبر صدْق الفتى ونوَاياه، وانْ كان المبلغُ في المتناول فهل تتزوَّج؟ اجل..”..إذا زال السَّببُ بطل العَجب..” يمدُّ الشيخ يده إلى جرَابه، يُخرج ثلاث رزَم من الأوراق، يُسلمها الفتى خفية، وببرَاءة الكبار يقول مُتوددًا: هل تأخذني مَعك يوم الخِطبة؟ يبْتهجُ الفتى ويتسَاءلُ: ما المانعُ يا سدي والفتحُ جَاء على يَديْك؟ أنت في المُقدِّمة إن شاء الله ولكن بشرْط..؟ أن تتجرّد من أسْمالك، وتلبس بياضَ الثياب، يَضحكُ الشيخ مُقهقها وهو يَكتمُ أسْرَارَهُ: سَوف ترَاني الأجْملَ والأسْعدَ بزوَاجك؛ في ذلك الصباح من يوم الخميس، وخيُوط الشمس ترْسل أشعَّتها الذهبية، تُغازل شِفاه الأزْهار، توقفت السيارات.
4- كانت العُيون مُحدّقة تترقبُ وصول المدْعوّين، جاؤُوا تباعًا والشيْخ في الطليعة، يرفلُ في ملابس جَديدة، وبريقُ السَّعادة يرْتسمُ في عيْنيه، أنيقا يتقدَّم الضيوف، يرفعُ الإمَام صوْت الرَّجَاء، يقرأ فاتحة الكتاب، يَسْال: عن وليُّ الفتى؟ يرفعُ الشيخُ صوْته في كبريَّاء واعْتزاز، أنا وليُّه، يرتجُّ الفتى ويُصابُ بالذهُول، تشرئبُّ الأعْناق، يُحدِّق الحاضرُون في بَعْضهم البعْض،ومن قبل كانوا يظنون بالفتى الظنون، تلمعُ الدُّموع كاللجيْن في عيْنيه تغسَلهمَا، يُلملم شعَث أفكاره المُبعثرة، ويقول بصوْت خافت عَمِيق: إلى متى تبقى مَنابع الخير فينا مطمُورة بالأحْزان؟ الم يأن لقلوبنا أن تصفح وتتوب إلى الله ؟ انه ابني..اجَل.. وأمُّه فلانة..مسكينة ظلمتها ! وأجهش بالبكاء.. يرْفعُ الفتى صَوْته وأحَاسِيسُه مُرْخاة العِنان، ونواجذهُ تلمعُ بأجْمل العبارات، يرْتمي في أحْضَان والده مُقبلا، غدًا سَيكون لي مع الرِّفاق معنى! وفي البيت حُضورًا، يتعبّق اللسانُ بعطر الكلمَات، تترَاكضُ الأفراحُ، ويكادُ من الفرحة أن يَصرخ، يكتشف أنه أبُوه ! ونِعْم الأبُ الذي يُعيد لابنه الحياة، ويزْرَع البسْمة على شفتين ظامئتين، يُعلمُه كيف يحيا من جديد، وكيف يعزفُ أنشودة الحياة، وأكاليل الورد تنثرُ شذى عطرها فواحاً، يهُبُّ نسيم الهواء العليل، فينشر عبق الرَّوائح الزكية، تنسلُّ من بين شفاه النسْوة زغرُودة مولولة تردد صداها سطوح المنازل، والأفق مفتوحٌ على اشراقة من نور، تنهمرُ دُموع الفرْحة، تتلاشى الأحْزان، ينظر الفتى إلى الدنيا من حَوله برؤْية الإنسان الجَميل المكرَّم.فما أحْلى أن نتسامحَ مع الذات! وما أجْمل أن نقتحِم مِحْراب الحُب بعَفوية وصَفاء..!


