1- في ذلِك الحيِّ العَتِيقِ مِنْ أحْيَاء “طرَابُلس” التاريخ، بَدَأتْ مَظَاهِرُالْحَيَاةِ تَخْتفِي، وَتتوَارَى الْحَرَكةُ، يَندَاحُ عَلَى الْكَوْنِ سُكونٌ رَهِيبٌ، تخْتفِي الأنوَارُ وَيَلفُّ الْمَدِينة ظَلامٌ دَامِسٌ، شُمُوعُ الفرْحَة انطفأت، مُدُنٌ الأمْسِ كَانَت آهِلة بالسُّكان آمِنَة، يأتِهَا رزْقها مِنْ كُل مَكان، وأهْلهَا مُطمئِنُون، اجْتاحَهَا ألهَوْلُ زلزَالٌ مُروِّعٌ، وفتنٌ قوَاصِفٌ، شوَارعَ قفرَاء، وعمْرَانٌ صَارخَرَابًا، لانبْضَ يَخْفقُ فِي {طبْرقَ} ولاحَيَاة في {بنْغَازي} رَانَ الصَمْتُ وتَاهَ العيّالُ، مُنذ أنْ سَقط نظامُ القذافي، أخَذت تتَحًدّجُهُم عُيُونُ ألثعَابِين، تسْرقُ مِنْهُم كلُّ الأصْوات، فصَائِل هَجِينَة تجُوبُ المُدنَ، تعْبَثُ بالنظام..تستعْرضُ العَضَلات، جُهَّال لمْ يُمْسِكُوا القلم فِي حَيَاتهم، صَارُوا يُمْتشِقُونَ الرَّشَاشَ والبَناَدِقَ، يُطلقون القذائفَ بعَشوَائِة ويُرْهِبُون النّاس، هُم الشوْكُ مَدْسُوسٌ تحْتَ الشَّوْك، ابرَاهيم يُهًفهِفُ الْهًمْسُ عَلى قلْبِهِ، وليْتَ الرِّيحُ تسْمَعُهُ، اوْشَك قلبُهُ أنُ يَذُوبَ وقد حُرِمَ نُكهَة المَجَالِس، مَا ابْتسَمَ يَوْمًا، وماعَرَف للرَّاحَة طعْمٌ، ومَابقِيّ مَعَه فِي الحَي إلاَّ الأجْوَفَ الفَارِغَ كلِحَافِ الشَجَرَةِ، المُسِنُون وَمَن انقطعَتَ بِهِم السُّبل، يَعِيشُون ظُرُوفًا مَأسَاوِيّة يَصْعُبُ وَصْفُهَا، الخَوْفُ والرُّعْبُ يُخَيِّمَان عَلى أرْجَاءِ البَلدِ، اقتِتالٌ على الزَّعَامَة والظفرِ بِالغَنائِم، عِصَابَاتٌ حَوَّلت أمْن البَلدِ إِلى وضْعٍ كَارثِي لا يُطَاق، عَوَائل مُشَرَّدةٌ تحْترِقُ بِنَار الغُلوِّ، تقتاتُ عَلى فوْضَى العِصَاباَت، آمَالٌ مُبًدّدَة وَقلوبٌ مَمْلُوءَة بالأوْضَار، لم يًعُد الزّمَنُ هُو الزَّمَنُ..ولمْ يعُد المَكانُ بفعْل اللِّئَام هُو المَكَان، انفلتتْ الذِّكريَاتُ، اخْتفَت الصُوَّر الإانْسَانيّة من الأذهَان..بَاتت العُقول الرّطبة تنتظرُ العَالم بتفاؤُل وبرَاءَة، أنْ يًفعلَ مِن أجْلهِم شيْئًا.
2- تفرّقوا شَذرَ مَذرَ، واحْترَقوا بِنار الفِتنْة..دُويْلاتٌ تظهَروتخْتفِي، وأخْرَى تتشَكلُ في المَسَاءِ عَلى عَجَل.. الافقُ صَار مُظلمًا مَمْدُودًا وبِلاَ حُدُود، إبرَاهيم يتجَاهَلُ الوُجُوهَ الخَانقة الكالحَة، يَبتلعُ مَرَارَة شَهَقاتِه، الوَسَاوِسُ الرَّعْناء تُشغلهُ، أدِيمُ وَجْههِ يَزدادُ تغَضُّنًا..هَلْ يليقُ بكبِير القوْمِ أن يبْكي بمرَارة.؟ أجَل.. يَبْكى ويَشْتكى لوْعَة الطغْيَان والظلم، ومَنْ يَغسِل هَذِه الوُجُوهُ الْحَزينة الغبرَاء..؟ حُرْقة الظلْم مُظلمَة..نحْنُ أمّة تُحَطمُ عِمرَانهَا بسَوَاعِدِ أبْنائهَا..تقتلُ فحُولهَا بدَم بَاردٍ..تسْتقدمُ المُرْتزِقة آلآثمِين، لسَرِقة الابتسَامَةِ خلفَ الأسْوَار، وإهْدار ثرَوَاتِ البلد، اسَارير وجُوهِهم كلحَاءُ مُنقبضَة، تغْشَى عُيُونُهم وقلوبُهم نزْعَة التخْريب، وهَدْم البُيُوت التِي آوَتهم، بالأمْس كانَت مَلاذُهُم الآمِنُ ومَأوَاهُم، بنزَوَاتٍ عَنْتريَّةٍ جَعَلوا مِنَ العِمَارَات أنقاضًا، ومِن الاوْبَاش أسْيَادًا، فهل وُلدَ الليبيُّون فجْرَ رَبيعِهم ليَكونُوا عَبيدًا..؟! إنّهَا مَأسَاة العَصر، وقصّة وَطنٍ مَهزُوم، ابتلاهُ اللهُ بشرْذمًة فاسِدَة مُفلسَة من أبْنائِه، ليْس لهُم عُقول ولا مَشاعِرَ، سِوَى التفكير في قهْر الآخَر ورَدْمِه، أمّةٌ الانْتمَاءِ كتبَ اللهُ عليْها ألشّقاء، أنْ يَعيش أبناؤهَا مُشرَّدُون، وفِي الفيَافي هَائِمُون، كقطعَان الإبل التائِهَة فِي رمَال الصّحْراءَ، يُطلقون العِنَان لألسِنتهُم بالكذب، كبَارُ الْحَي أزْلامٌ..! هُم أنصَار القذافي، مَن قال هَذا؟وهُم اللجَانُ الفوْضَاويّة بامْتيَّاز، تُهمٌ عَاريّةٌ مِن الحَقيقة، يرُومُونَ مِنَ خِلالهَا تجْريد إبرَيهِمَ من أرْزاقه، كما أهَانوا غَيرَهُ، إنّهُ الحِقد والانتقامُ.. ذاتَ ليلة أقبلت عِصَاباتٌ مُسلحَة مِن الرِّعَاع، انهَالوا عَليْهِ ضَرْبا بالسِيّاط ، ونسَفوا بيْتهُ، وليْسَ لهُ عِلمٌ بمَا يُحَاكُ لاَ مِنْ هُؤُلاءِ وَلاَ مِنْ أوْلائك ،إنّهُ الهًرًجُ وًالمَرَجُ، والفوْضَى الْعَارِمَةِ.
3- لقد اخْتلط الحَابِلُ بِالنَابِل، وضَاعَ مَاضَاعَ، ومَن هُم عَلى دَرْبِ الضيَّاع يُبَاعُون ويُشترُونَ، كلمَا دَخَلت عِصَابةٌ المَدينة، لعَنَتْ اخْتهَا واتهَمَتهَا بالخِيّانة والعَمَالة، النسَاءُ الليبيَاتُ يُدافِعْن عَنْ شرَفِهنّ، وهنّ بائِسَاتٌ مُتسَولاتٌ.. قد امْتدّت لهُنّ ألأيادي القذِرَة بالاذايَة، ومَا أكثرَ الوُحُوش في احْيَاءِ المَدينة، يترَبَصُون بضحَايَاهُم، ابرَاهِيم رَغمَ مَا اصَابهُ من وَصَبٍ، يَتنبأ بأنّ العِصَابَات مهْمَا كَانَ انْتمَاؤهَا ومشرَبُهَا آيلةٌ إلى الزَّوَال، ولا مُسْقبل للفوْضَى والخَارجِين عَلى القانُون، يَعْرِفً هذا بحَدَسِه، أنّ الجَرَاد مُفسدٌ، وإذَا انْتشرَ فِي الحُقول الْتهَم الأخْضَر واليَابسَ، لابدَّ مِن الحِيطةِ والحَذر، للنّجَاةِ مِن الهَلاكِ المَحْتوم، وكيْفَ يَحْتاط المَرءُ مِن خَائِن الدّار، وليْسَت لهُ حِمَايَة ولا سَوَاعِد، يَمُرُّون في الشّوارع كالثيرَان الهَائجة، زَائقي النظارَات، يَصْرخُون بدُون سَبب، قد زيّن لهُم الشيْطان أعْمَالهم، وصَوْتُ العَقل عِندَهُم مَفجُوع، ذاتَ فرْصَةٍ أتيحَت لهُ، خرَج ابرَاهيم بأهْله ليْلا مُهَاجِرًا، يَخْترِقُ الحَوَاجِزَ، تَارِكًا مَدينتهُ تَرْفلُ فِي أحْزَانِهَا، وفِي دَاخِله انْتفَاضَةٍ، صَائمٌ عن الكلام هَائمٌ فِي البَرَارِي، ليُنقذ بَناتهُ مِن وحْشيّةِ ألأنذال، الرِّحْلة شَاقةُ وسَط الصّحْرَاء، كأنّهُ يَغُوصُ في رئةِ الأرْض،لايَحُس بطول المسَافات، ولا بالغوْصِ فِي الرّمَال، يَعْرفُ والذين مَعَه عُمْقَ ألحُزْن.. تتصَاعَدُ فقاقيعُ الخوْفِ في عَتمةِ الليْل..وسَمِّيها إنْ شِئتَ رحْلة ألأحْزان، فعَبْرَ الطرُقاتِ المُلتويّة، والمَسَالك المَهجُورَة ، خوْفٌ رهيبٌ وترَقبٌ، إنّهَا تجْربَة أسْرَةٍ ليبيّة مُجَازفةٍ، فيهَا لذةٌ مُقارِبَة للموْتِ والوُقوف عَلى أعْتابه، ففِي رحْلةِ الأحْزَانِ نزْرَعُ حُرُوفَ التسَامُح، ونَتعلمُ بأنّ الحُبَّ نبْرةٌ نسْمَعُها ونرَاهَا في جَدَاول رَقرَاقة مَاتِعة، وفِي العَرَاءِ نرْسُمُ وَطنا جَديدًا..ونُغيّرُ تضَاريس ألمَكان، ومِن الشّوْق والحَنين نُشكلُ طَائرًا نُحَلقُ فوْقَ جَناحَيْه.
4- ابرَاهِيم يُرْهِقُه السّهدُ..والبُعْدُ..والشوْقُ..والوَجْدُ..ومِن جَدِيد يَبْتدِئ ُ شَرِيط الذكرَيات، وصَوتُ الرّفاق وإنْ نَأى يسْمعُهُ في هيّاج وابْتهَاج، الشوْقُ إلى الجَزائر دَفُوقٌ، وَوَادِي سُوف يَسْبَقُ ضيُوفهُ بِألف قبّة وقبَّة، وَالكلُ يَتلهفُ إلى مَرابض الأحْرَار، واللحَظاتُ بَاهرَةٌ، تَنْفرجُ أجْفَانَهُ، وعَلى ثغْرِهِ ارْتسَمَتْ ابْتِسَامَة نَصْر، فَفِي الوَادِي يَتنفسُ الطائرُ الصُّعدَاءَ، ويَلعَقُ الجِرَاحَ، وَقد عَانَى مَرارَة الخيْبة ولوْعَة الفرَاق، يرْفعُ صَوْتهُ مُجَلجلا: جِئْنا مِن طرَابُلسَ الفيْحَاءَ هَارِبين مِنْ طيْش المَجَانِين، مُثخَنِينَ بِجرَاحَات الأجْلاف، مِن مُعَاناةٍ يندَى لهَا ألجَبين، يَبْكي لهَا الفؤاد، ويَقشَعِر مِنهَا البَدَنُ، وجَدْنا فِي الوَادِي اخْوَةٌ، فتحُوا لنا الصُّدُور، واحْتضنُوا هُمُومَنا، جَعَلوا من هِجْرَتِنا رِحْلة شَوْقٍ وأمَلٍ، هُم مَافتِئوا يُجفّفُون دُمُوعًا انْهَمَرَت، ونُفوسًا ضَاقَ بهَا الأفُق، هَبُّوا يُهَدِئُون رَوْع العيَّال، ويجْعَلُون الشَّوْق يَتبَرْعَم فِي مُقلة الحَاج ابْرَاهيم وأبْنَائِه، كمَا أبْقوْا الْحَنِينَ يَتهَجْهَجُ ويَتعَسْلجُ فِي قلوبِ بَنَاتِه، اللوَاتِي مِنْ أجْلهِنّ شدّ الرِّحَال وأنْتجَعَ.. هَواتِف مَنْ ترَكُوا خلفَهُم ، ترَافِقهُم عَبْر المَسَافات.. وترنُّ مُوَلَولَة مُسْتفسرَة، حَالِمَة بيَوْم أللّقاء، وَمِنْ حَقِّ المُغْتَرِب أنْ يَحْلم بِالعَوْدَةِ..وإنَّ غدًا لناظِرهِ قرِيبٌ.