لم يكن الليل اقدر على الكتمان، تتجدّد الآهات فتدمي قلبها، تفزعُ مرعُوبة خائفة تدسُّ رأسها بين الصخور، تستنزف طاقتها في البعيد، ريحٌ هوجاء عاتية تميس بالقدِّ الجميل فيميل، تتكدسُ الأصوات صخبا ونواحا، تنهب الأقدام الأرض، تترك خلف الضباب وطناً مخطوفا
1- عواطف شابة من ريف حلب، شخصيَّة ناضجة، تألق نجمها، نشأت في أسرة عريقة مُحافظة، هبّت عواصف العنف في البلاد السورية ذات شتاء، حربٌ أهلية قذرة مُدمرة، أتت على الأخضر واليابس، سكن الرُّعب المدينة الرمادية الحزينة، اكتظت شوارعها بأشباح الخوف، حوّل الأنذال عُمرانها أطلالا، ومن هول رعب القصْف هَجَرَتهَا الحياة، انكفأت عَوَاطف على نفسها تصافح الرِّيح، خرجت ميمِّمة وجهها نحو تركيا، سارت مُتسللة وسط النازحين، تمتد في داخلها أسئلة، وما عساها تفعل سوى الهرب من الجحيم؟ تتململ خلف الأسْمال كأنها مُتسوّلة بَائسة، تخفي مفاتنها بمسَاحيق من روْث الدواب وبعض الفضلات، علها تنجُو من مَخالب الوُحُوش، ومن انتهَاكاتهم الجَسَدية الآثمة، ترمقهم بسهام المقت والتحقير، وتتساءل بمرارة: لماذا نحن نعتنق الفوضى؟ من استقدم العصابات الإجرامية؟ كيف وصل الأوغاد إلى هنا؟ إنهم قطعان من الذئاب الجائعة، يسطون على الممتلكات، يأخذون الغنائم، يُبيحون لأنفسهم السَّبي وزواج المُتعة، يوميات النساء السُّوريات البائسات الحزينات تحولت إلى مآتم،عواطف تنفرد بنفسها، تلمْلم شُتات الرَّوابي، تتسلل بين سديم الظلمة والعسَس، حيث يهرُب الجُرح النازف، تحْتضن رُعب الصُّخور الرواسي، تقطع وحشيَّة التلال الظامِئة، تتوغل في الدُّروب والأودية، على الخدِّ الأسيل حُمرة وتورُّد، تُغازلُ نسَمَات أوْرَاق العُمر، تنجو من الخطف بأعجوبة، فتترنحت على ثغرهَا ابتسَامَة النصر الذابلة المتوارية خلف أسْوار أحْزانها.

2- لم تكن تتصوّر أنَّها قطعَت المسَافات الطويلة، وسَط سيل من الطوابير، كائنات يُطاردها شبح الخوف، رصاص الإرهاب العابث، شظايا القنابل والمتفجرات، في السَّماء طائرات تسْحق جماجم الأطفال، في الشوارع رُعب القتلة المُدجَّجين بالموت، الجُرح يرتحل على أجَنحة الطير المبللة بدمْع البكاء، تلوك حياتها الباهتة، تجُوبُ الأفق، تسأل الله اللطف، تستغيث وقد اكتست بماء الغيوم درعا، تداهمها أسْراب الخفقان، كلما نزل الليل واش زفُ أنشودة الضياع في صبحها ومسائها، كثيرات هن ألحرائر يتضورن جوعا، يلهثن خلف لقيمات الطعام، لسد رمق أطفالهن، حاسرات الرؤوس، حافيات الأقدام، متلطفات، بائسات، متوددات، يفترشن ذاكرة البيُوت الخاويَّة، لم يعد يملكن سوى الدَّمع الهطول حبرًا، يكتبن بماء الغيوم قصص الرعب، وحكايات الاغتصاب والسبي وسمل العيون والتفنن في إبادة الرجال. تدَّ الظلام، أخذت سُحب الأحزان تتراكم، لم يكن الليل اقدر على الكتمان، تتجدّد الآهات فتدمي قلبها، تفزعُ مرعُوبة خائفة تدسُّ رأسها بين الصخور، تستنزف طاقتها في البعيد، ريحٌ هوجاء عاتية تميس بالقدِّ الجميل فيميل، تتكدسُ الأصوات صخبا ونواحا، تنهب الأقدام الأرض، تترك خلف الضباب وطناً مخطوفا، عيالا مشتتا جائعا يختفي في التيه، شعبا مشردا هائما بين الحدود، نسوة كالقطعان يتقدمن الموكب كالراهبات، يحْملن على أكتافهن هُموم الدنيا، دُموع الثكلى النائحات على الأطلال.

3- تعزفُ أنشودة الضياع في صبحها ومسائها، وكثيرات هن ألحرائر يتضوّرن جوعا، يلهثن خلف لقيمات الطعام، لسد رمق أطفالهن، حاسرات الرؤوس، حافيات الأقدام، متلطفات، بائسات، متوددات، يفترشن ذاكرة البيُوت الخاويَّة، لم يعد يملكن سوى الدَّمع الهطول حبرًا، يكتبن بماء الغيوم قصص الرُّعب، وحكايات الاغتصاب والسبي وسمل العيون والتفنن في إبادة الرجال.
هن يُسَلين النفس المُفجعة بالرّحيل، يتصيدن الأمنيات خلف الأسْلاك الشائكة، يُمارسْن النسيان، يُرسلن تنهدات على المَعابر تشبه النواح، عصَابَات حَاقِدَة تقتل على الهوية، تتآمر على شعبها، ترشدُ أعداءها إلى قتل الأحْلام ونهب البلد، كلهم يُشبهون ابن العلقمي في الخيَّانة والتواطؤ، بل هُم من بقايا عُهره، جاؤوا بهلاكو مُتعنجها ليفجّر رُؤوس الأطفال، لينهي حياة المرضى في المُستشفيات، يستعينون بالفرس لنهب سُوريا العُروبة كما نهبوا العراق، جاؤوا بالشيطان الأكبر ليروي غليل حلفه، وغطرسة صهيون، الطغاة حاقدون على العيال{وعلى أهلها جنت براقش} مواقف انبطاحية مُخزية حقيرة، هيَّ تعلم أنَّ صحائف تلك النكرات ملوَّثة بالجَرائم مُنذ عهد ثمود، يستفزُّون الشعُوب الآمنة لإرواء نزواتهم، يُحزنها أن ترى أشلاء الأبرياء مُتناثرة في العراء، مُبعثرة في الشوارع والملاعب، أطفال يمُوتون جُوعا.. يا خيبتاه..! الإعلام صار طرفا فاعلا في التهويل وتغذية العُنف، هم الخوف يُطاردُ ظله، اللهاث خلف الأقويَّاء غباء وتهور، أرانب تطاردها السباع، إنهم يتلاعبون بالمشاعر، يرددون الشعارات الجوفاء، يتحركون بغير إرادة، مُسْرفون في العتاب حدّ النباح، ترتشفُ أحزانها، وقد جفَّ الحلق والتوى العُنق، وغارت العيون في المحاجر، وما عادت تذرفُ دُموعا.

4- ترْكض في كل الاتجاهات خلف السّراب، خائفة مرعوبة، تقفُ على ضفاف المأسَاة، تتصنت إلى ما يقوله الوقت، نسْوة مُتسكعات هائمات مع أطفالهن، يتحركن ببطءٍ على رمال الهمْس، تريد أن تتوقف، لقد أنهكها التعب، وأرهقها السُّهاد، في كل خطوة تتوقف، تطيل الوقوف، ليس للراحة أو اسْترجاع الأنفاس، لكن لتصاب بالذهول والخيبة، يحدق فيها رجل جلف تجزرُه بعينيها فيرتذُ، تجلس القرفصاء لتنام وعيناها مفتوحتان، قد اخذ منها التعب مُنتهاه، تختلس النظر وتذوب، أمام بشاعة هذه المشاهد المقززة، وتلك الصوَّر المخزية الرهيبة، تمعن النظر في الوُجوه الحائرة، علها تظفر بقارب من قوارب الترحيل، صوت السُّفن اختفى، اخذ الضوء يتآكل،رباه.. لا احد خلف هذه المتاريس، يُريدُ أن يسعف اللاجئين السورين أو يرشدُهم، أو يقدم لهم يد العون، حتى النجوم غابت في كبد السّماء، والقمر توارى، ورَغوة ألأحْلام غلالة تلاشت، لكن الأماني تبقى جاثمة، يا إلهي.. حُروف الحقائب صارت بلهاء، وهج الجُرح يزداد هيجانا، والفؤاد خافق، لا أهل هنا ولا سَندَ ولا إيواء، سوى ضباب كثيف يُوهم النازحين أنه نهرٌ يجري كأنه وجعٌ طليق، هم في ذرْوة الإفلاس، تتفطر قلوبهم ألما، أحاسيسهم مُرخاة الحنين، تتساءل لماذا شرب سقراط الكأس كله؟ هل جُرحه اندمل؟ أم هو توارى خلف أفكاره ولم يعد يفكر في الرحيل؟ آه.. لا معنى للحياة بعد هذا الذل والهوان..!.

أضف تعليقاً