01- عِنْدَمَا خَرَجَ منْ بَيْتِه صَبَاحًا، كَان فِي مُنتَهَى الضَّعْف والوَهَن، يَمْشِي مُتثاقلا والحُزن يَلفُّه، لا يَحُسُّ بِطُول المَسَافَاتِ، ولا بحَركة السيَّارات، خَطوَاتُه مُتعَثرَة غَيْر وَاثِقَة، يُرْسِلُ نَظرَاتِهِ البَائِسَة فِي كُلِّ الاتجَاهَاتِ، يَتأمّل مَا حَوْله بعَيْن زائغة مُرتاعَة، يَنصاعُ لصوْتٍ صَاخبٍ مُتدفقٍ في دَاخِله تعُوزُه الإجَابة، يَقتاتُ قلبُه على الآخرين، تتنازعُه مَشاعر مُضطربة، يَتوغلُ في الشّارع، يجْتاحُهُ هذيانٌ غَامِضٌ، كلمَاتٌ حافيَّة القدَمَيْن ترْفسُ مَشاعِرَه، لمَاذا نكرَهُ أنفُسنا؟ من جَعلنا نكرَهُ وطنَنا؟ لمَاذا تخَلفنا في كلِّ المَجالات وتشرْذمْنا؟ ما اخْطر السَّلبيات التِي تُعانِي مِنهَا مُجْتمعَاتنا؟ كيْف وَصَل غيرُنا ولمْ نَصِل؟ أين هيَّ الأمّة الخيرية؟هل إخْفاقاتنا وانكسَاراتنا نَاتجَة عَن تذبْذُب في المَواقف والعَلاقات؟ أمْ هُو سُوء الفهْم وفسَاد الوَعْي؟ هل لغيْرنا عُيُون وآذان وعُقول ونحْن لا نمْلك من هذا شيْئا؟ اعْتقدُ أنَّ مُدْرَكاتنا العَقليَّة ترَاجَعت عن مُهمَّتها الأسَاسيَّة، صَارت مُجرَّدَ إدْرَاك عَشوَائِي خَامِل، سي الصادق جَال ببَصره متالما..وحَانت مِنهُ التفَاتة، هُو يَلتحِفُ قسْوَة الوِحْدة، يَصيحُ بأعْلى صَوْتِه، يُمْسكُ بتلابِِيب المَارَّة يسْألهم في لهْفة، مَاذا يَحْدُث في بُيوتنا وفي مَدارسِنا وشوارعنا؟ أجِيبُوني بربّكم؛ يَلتفتون نحْوَه مُبتسِمين سَاخِرين، لم يَحْدث شيْئا يَا هَذا؟ يُجْهش بالبُكاء ويَقول: مَسَّني الحَنين إلى أحَبَّتي، سَرقنِي مِنهُم التيه، يُزيل دَمْعَة بللت خدَّه، يَقفُ السَّائِرُون على الرَّصِيف وعُيُونُهم مُشرَّعة تنظرُ ولا ترَى، يُخَاطبُهم بألمٍ: يا رِفَاق هَيَّجْتم بصمْتِكم الأشْجَان، ولم تشفُوا غليلي ولو بِكلمَة واحِدة..هل أصَابكم مَرضُ التوَحُّد الذِي أصَاب أطفَالنا؟ أم دَاهمَكم جُنُون البَقر، غَابت سُفني خلفَ الأفق، وأنا اقطعُ العُمْر..صَبرًا..يا مَن تبْكون عَلى الأطْلاَل.!
02- قال رَجل من أهل المدينة:مهلا مهلا ياسي الصادق ..نحْن نعِيش عَصْرنا بفكر مُشوَّه، ننامُ مُتثائبِين، نَصْحُو مُتشائِمين، نتحدَّثُ غيرَ صَادقين، ونرْقى إلى مَقام اليَأس، تترآى لنا أضْوَاءٌ كترَاتِيل الفَجْر، نرْصُدها في الصبَاح وفي المَساء، ومَع ذلك نعْتنِقُ الفَوْضى ونمْشي في الظلام، يُجيبه: ألا تعلم أنَّ يَوْمياتنا أسْئلة بدُون جَواب، أرَى أهلي في الأدْغال نيَّاما، فماذا يُريد مِِني ومنك السُّؤَال؟ أنا ليْس لدَي جَوَاب، أنا كالبَطل{هملت} المهْزوم في رَائعة شكسبير، يَتسَاءَل ولا يَجِدُ لأسئِلته جَوابًا، يَنفردُ بنفسِه حَائرًا يُردِّدُ العِبَارَة: أكونُ ولا أكون،غوَت كلمَاتِي قبْل ولادَتِها،يهز سي الصادق رأسَه ويقول: رُحْتُ أجْمَعُ أوْرَاقي وأمَزِّقها، فتبتلعُها سِلة المُهْمَلات، تحْتارُ سيِّدة البيْت، يَضْحَكُ العيَّال، تهبُّ النسَائِم، فتنسَلُّ حُرُوفي مُتناثرة كالفرْحَة، يَتلاشى بَعْضُها كالأشبَاح، تحُط على الشِّفاه فرَاشة توقظ في النَّفس جُرْحًا، يودِّعُني ظلِّي الوَارف، يَخطفُ الرِّيحُ بعْض رَسَائلي، احْسب أنِّي أسْمعْتُ وبلغتُ ومشيْتُ خطوات إلى الأمَام، وفي الواقع ما فعَلتُ شيْئا، أنا أخْطو إلى الوَرَاء، ولا أدْري مَا الذِي حَققته! إنمَا في صَدْرِي جَوابا مُبهمًا لِكلِّ الأسْئِلة العَالقة عَلى الشِّفاه، ولاشيْءَ يلوحُ في الأفق، ولو أنِّي أحْيا عُمْري ثانيَّة لفعلتُ شيْئا، ولقمْتُ باسْترجَاع ما ضَاع مِنِّي، ولرسَمْت أجْمَل ما في العُمْر من أشيَاء جميلة، لكن أسْال الله الغفران ضَحِك مُحدِّثه مِلْء حُنجُرتِه وقال:{يا ليت الشباب يعُود يوْما} قلتُ: تعِبتُ يا هَذا وكلّتْ خُطايا، وضَاعَت رُؤاي، كل مَساَء الْمَعُ طائرًا في أعْلى الشَّجَرة يُشاركني الرَّغبة في البَحْث عن جَواب لأسْئلتِي المُضرَّجة بالحيْرة، وليْسَ لهَا جَوابا، أريدُ كلمَة واحِدَة يَشعُّ مِنها الأمَل, أريدُ صمْتا يَعِيشُ على مَصْدَر النُّور.
03- استأنفتُ السَّيْر، وأنا اعتصرُ رحِيقا من سدر الأيَّام، وإذا بي التقي بذلك الرَّجل العَائدِ من مَنفاه، ومن غيْر سَاَبق مِيعَاد قذفَت به هنا ذنُوبه وما ارْتكبَ في حقّ العائِلة مِن آثام، كنتُ ابْحْث عَنهُ وأتوعَّدُه ؟ تبادَلنا الكلمَات السَّاذجة المُبطنة ببرُودَة، هُوغيْر مُهتم بي تمامًا، يَسْألني في تجَاهُل من أنْت؟ ومن أيّْ ارْضٍ جِئت؟ فاسْأله ذاتَ السُّؤَال من تكُون أنْت؟ ومن أيِّ مَكان أتيْت؟ كان مُتغيرًا في مَلامِحِه، يَمِيل إلى سَذاجَة في التفكير تقاربُ الغبَاء، كان يُعَاني ألمًا دَاخِليًا يُريدُ أن يتقلب عَليْه ولاَ يَفلح، تقول له امْرأتهُ: وقد ضَاقَ صَدْرُها، ونفدَ صَبرُها، وهِي ترغَبُ في أن تذيبً الجليد بيننا بأقل جُهْدٍ وأسْرعَ وقتٍ؛ ترْفعُ صَوْتهَا فينسَابُ الكلامُ فوقَ المَكان: مَهْلا يَا ابْن العَمِّ..ألا تعْرف أخَاك وصَديقك سي الصَّادق الذِي انتشلك من مَخَالب البُؤس؟ يلتزمُ الصَّمْت وينكَّسُ رَأسَه، لمَّا عَجَز عَن ضَبْط نفسِه، فقرأتُ مَا فِي وجْهه، ونظرتُ إليه بِعَينين شاخِصَتين مَائلتين ناحِيَّة اليسَار، وضغطتُ على شفتيَّ السُّفلى بِقوَّة، فارْتعَش..وخَافَ.. تبيَّن لِي أنَّه يبحْثُ عن مَنفذ للخُروج من الوَرْطة التي وَقع فيهَا، أشفقتُ على زوْجَته التي بدأت تتنقل كالعُصْفورة المَذعُورَة، تريدُ انتشاله، كانَت مُحْرَجَة جِدَّا من مَوْقفه الانْهِزَامِي، ارتسَمَت على ثغرهَا ابتسَامَة حَزينة وحُمْرة مُتورِّدَة طافِحَة على خَدِّيْها، قلتُ لها: دَعِيه ينسَى ويتجَاهل سَيفضَحُه الغرُور، هذا حَفِيدُ من كانُوا للإبل رُعاة، قالت: – وهيَّ مُتوَدِّدة- نبضُ قلبي يَسْمَعُ ويُخْفي الكثير، قلبُك سَيّدي ابْيض ومنْ اجْلي افعَل شيِْئا ..رَجَاء.. قلت لها: دَعِيه يَختزلُ حَياته في النِّسْيان والتجَاهُل، وقد أكل أمْوَال النَّاس بالبَاطل، كان صَوْتُها العَذْب الصَّافي يُلائِم وجْهَها المُشرق، أمَّا وجْهُه المُجعَّد وأسْنانه البَارزة وشعْره الأشعث، فهيّ صُورَة للقبْح والبَشَاعة، التفَتتْ نحْوي وهي تُخْفي حُزنها كيْمَا تُخفي عَوَاطفَها، وتبْدُو كأنَّها تُعَاني مَوْجْة من الخَجَل، قالت: بصوْت خفيض وهيَّ تنظرُ مُتألمَة {أسَدٌ عليََّ وفِي الحُروب نعَامَة} أفاقَ مِن ذهُوله مَفزْوعًا، وتأهَب ليُجيب، خانته الكلمَات ومَا اسْتطاع أن يَصْمُد، حدَّقتُ في مَلامِحه المُتغضِّنة فلاحَظتُ في شفتيْه ارْتجَافا، قلتُ له: اخْشي أن تكُون بالفعْل نسَيْتني، فاطرَق برَأسِه هُنيْهات وكأنهُ يَهرُب من شبَح الذكرَيات.
04- يَسْتأنفُ حَديثه الذي لم يَبدأهُ وكأنَّه يُحَدِّث نفسَه، كانت عَيناهُ تضُخَّان قلقا وجَزَعًا وارتيَّابًا، يُمدِّذُ بَصَرَهُ كأنَّه يُهَامِسُ نفسَه وتعُوزُه الإجَابَة، يَقول:وهُو يُكابد خيْبة، اعترفُ بكل ما حَدَث، ولسْت ادْري كيْف اعْتذر لك{ حبْلُ الكذب قصير} لمحْتُ الدُّموعَ تترقرقُ في عَيْنيه أسْرابًا فقلتُ له: لا تثريبَ عليْك، إنّ المَاضي مُوغِل في العُمْق،غفرتُ لك، قالت امْرَأته: وهيّ ترتشفُ ابْتسَامَة النَّصْر، نحْن كيَانٌ واحدٌ وامتدادٌ لعائلة عَريقة، فالتفتَ نحوَها مُقهقهًا وأجَاب بكلمَاتٍ بَائِسَة مَعجُونة بمَرَارَة، نظرَ إلى سَاعَتِه وقال:لقد تأخَّرتُ عَن مَوْعِدي..مدََّت يدَها النَّاعِمَة تصافحني بحَرَارَة وتضْغطُ عَلى أصَابِعِي، فهَمَسْتُ إليْهَا كَمَنْ يَصْحُو منْ نوْم عَمِيقٍ: الرِّسَالة وَصَلت، قالت: فهِمُت.. رَجَاء اكتم سِرَّك واحْتفظ بكل الأسْئلة إلى حِينهَا وسَنلتقي، قلتُ:على رأي قول الشَّاعر{إذا لم يَجد الفتى صَبْرا لكتمَان سِرِّه** فليسَ له شيْئا سِوَى المَوْت يَنفَعُ} أغمَضَتْ عَينيْها لتذرفَ دُمُوعًا احْتبسَت في مآقيها، ولمْ يَفهَم شيْئا مِمَّا كان يدُور بَيْننا، اكتفَى بضَحْكة قصِيرة بَلهَاء، وللتوِّ التفتَ نحْوي ليقول: أخشَى أن أكُون قد أسَأت إليْك، إنِّي أعِيشُ حَياة قاتِمَة وتصَحرًا في الأفكار، وكأنَّه بهَذهِ الكلمَات الخَجُولة المُرتبكة يَطمحُ في قرارة نفسِه إلى شَيْء من الموَدَّة، رَغْم انَّه يُخْفي الألم، تصَافحنا وافترقنا دُون أن يُجِيب عن أسْئلةٍ تقاطرَت على رَأسِه كالصَّواعق، تقول امرأته في خجَل: سأترُك الرِّيح تعْبَثُ فِي زُرْقة السَّمَاء وعَبر الدُّرُوب الخَضْراء، وفي الرَّأس يَبقى السُؤال، في السَّماء غيُوم ترْحَل، هو يَذرفُ دَمْعًا، وأنا أذرِفُ حِبْرًا، وأنت سيدي يَنبُوع خيْر ورَحْمة؛ أخشى أن يَجف حِبري وينقطع نهْر الحِكَايَة، لسَوْفَ نصْحُو من رُقاد الكهْف، وتنقشعُ مَتاهات الضبَاب، قلتُ لها: يا أبنت العَم..روَيْدك.. سَئِمتُ السيْر وحْدِي في الطريق..{ربي لا تذرني فردًا وأنت خيرُ الوارثين}..قالت والبراءة تسْكن نظرَاتها: سَتبقى الأسْئِلة تترَاقصُ في الرَّأس، وتنثال كالرَّمْل فوقَ حُدُود الكلمَات، دَع الرِّيح تحْفرُ في القلب أخدُودًا، وترقدُ في الجُرْح إلى أن يَشاء الله ! أجابها مُتألمًا:مَا أصعَب أن نُمَارس النسْيَان! سَيبْقى الصَّمْتُ مُحمَّلاً بكلمَاتٍ طيِّبة ترْفعُ المُعَاناة، وغدًا سَتضِيءُ النُّجُومُ دَواخِلنا.