هنا حيث لا سفوح ولا منحدرات ، فلا تطرق الآذان مواويل رعاة ولا ألحانا تنثرها مزامير لهم ، توقظ الشمس من مخدعها ، ترافقها في سفرها ، إلى أن تودعها وهي تهبط في مغيبها .

هنا حيث البياض يكتسح المكان ، الجدران بيضاء ملاءات الأسرة بيضاء ، حتى قرص الدواء أبيض هو الآخر .
روائح العقاقير تفوح في المكان ، تجتاح الأنوف دون استئذان ، و تخترق الآذان أنات تصدر عن موجوعين .
استضافني بياض المكان مع وجهين كأطلال لم يبق من آثارها غير الوشم ، و ذكريات لهما سقطت في أخاديد حفرها الزمن ثم طواها .

أشرعتُ لتضاريس وجهيهما منافذَ وشقوق ذاكرتي ، فاستحضرت صورة مكان أخبره جيداً ، تنفذ إليه الريح من أحدى الجهات والريح هنالك ذات مزاج غريب ، تدخل المنازل من أبوابها ، تعصف داخلها ، لكنها تخرج خائبة من نوافذها ، تكظم غيظها ، تفر ثم تكر ،تنقض على البساتين ، لعلها تحظى باقتلاع شجرة أو بكسر غصن ، أو بإسقاط حبة تين أو ورقة ، أو حتى برفع ذرة تراب ، لتشفي غليلها ، ولا تفلح .
وجهان لعجوزين من يطحنهما الشقاء ، لبائد شعر مهملة بيضاء هي الأخرى ، وأسنان لم يتبق منها غير الجذور ، تتكئ إحداهما على الثمانين ، طريحة أحد الأسرة ، مثلي ، ينزُّ العرق من جبينها ، يحاصرها المرض ، متقطعة أنفاسها ما تلبث أن تغادرها حتى تعود ثانية إليها ، على ذمة الحياة ، و قد يؤول بها هذا البياض – لا سمح الله –إلى بياض من نوع آخر .
وأخرى كانت يوماً ذات طول ، تقتعد الأرض نهاراً ، و تفترشها ليلاً ، صوت أمعائها يفضح خواء جوفها ، وشفاه ضامرة لم تلامسها قطرة ماء منذ حلولها هنا ، دامعة العينين ترفع للسماء الكفين تدعو : “يا خالق الكون ! يا رحمن يا رحيم ! يا قدير ! يا مجيب الدعاء! لا تحرمني من نداء “يا أختي” !
تقاسمت معهما هواء ذات الغرفة منذ اليوم الأول ، تقابلت أسرتنا ، و لم يفصلنا ذلك الرواق من القماش إلا قليلا .
أسمع دعائها بأن يمد الله في شمس أختها ، فيقشعر بدني فأنا أعلم وحدتها ، لا أخ و لا عم و لا خال ، و رحم كُتِبَ عليه الخواء، و زوج توفاه الله قبل سنين ، له أولاد ، اكتفت من بعده بساعة يده ، لا تفارق معصمها ، و بهاتفه النقال . كان لها محبا ، فكانت له عونا ، بعينيها أبصر الطريق ، ضاق بها العيش من بعده ، ولم تمد للغير كفا .
يتأزم حال أختها ، فيحتقن وجهها خوفا ، تنتفض من حولها كطائر جريح ، يرقص من شدة الألم ، أخذت تغني تصفق ، تبكي ثم تضحك ، تخطوا قليلا لتستنجد بأحد ما
، لكن ما تلبث آن تتراجع خوفا من أن يحدث لأختها ما تخشاه في لحظة غيابها ، فقمت بالمهمة بدلا منها . و ما أن عادت أنفاسها إليها ، حتى غطت في سبات عميق ، تنفست الأخت الصعداء ، تناولت كسرة خبز أسكتت بها عواء معدتها ، بعد أن بللت ريقها بشربة ماء .
على إيقاع ضحكات خافتة ، ترافقها تمتمة تصدر عن شفاه مرتعشة ، تعبق بذكريات ماضية يفوح شذاها ، وشعاع نور تسلل توا عبر زجاج النافذة ، تواطأ معه جزء ضئيل من الستارة ، أرعش أجفاني فأستفيق على مداعبة أجواء المكان لحواسي .
ها هما الأختان ، و قد استيقظتا مبكرا كما الحجل ، يتوسطن السرير ، يجلسن كما لو أنهما فرغا توا من صلاة ، فكانت تلك ضحكاتهن و تمتمتهن .
سررت لمشهد انتهى بكل هذا الفرح ، الذي ما لبثتْ أن انتزعتْ جماليتهُ ممرضةٌ أقبلت نحوي ، بيدها ميزانَ حرارة ، أحسست حينها بألم كان يعتصرني ، فتذكرت علتي …….

أضف تعليقاً