بعد نوم هادئ ورضا مع راحة بال .. صحى أيوب أفندي صبيحة ذلك اليوم منتشيا .. جذلا بما يملئ نفسه من أسباب كثيرة للتفاؤل .. في ذلك اليوم الشتوي الدافئ من أيام القاهرة .. وقد زادته الشمس الدافئة في السماء الصافية بهاءا على بهائه .
إشتاق كثيرا لأمه وإخوته وحان موعد زيارته الشهرية .. إستمرت نقاشاته وخناقاته يومين مع زوجته .. ولذا وكما يحدث شهريا منذ زواجه منها .. أعاد ترتيب كل أموره عدة مرات ..
خرج من منزله عاقدا العزم على طلب أجازة للسفر للبلد هو وأسرته .. وفي طريق عودته سيشترى ما يلزم أمه وإخوته من القاهرة .. يحمله مع زوجته وإبنته وهمومه وتفاؤله ..
يرتاح على ايقاع دعوات أمه له .. تعيده كلماتها لطفولته بالقرية قبل ثلاثين عاما .. تمتعه الذكريات فيضحك مطمئنا متمنيا أن يعود طفلا مرة ثانية ..
طوال الطريق للعمل بوسط البلد .. ورغم الضجيج في الحافلة المكتظة .. يعيش مع نفسه يتذكر و يبتسم برضا .. تلك الإبتسامة التي تنير صفحة وجهه الأسمر .. وتجعله يحس بأنه ملك متوج بلا عرش ..
تقوده ذكرياته لأيام طفولته الصعبة بالبلد .. ورغم ذلك كان سعيدا .. ويتعجب من أيامه العجاف الآن .. بالكاد يستطيع العيش رغم مرتبه المعقول كموظف قطاع عام .. يحس أنه دائما يصارع أيامه ومتطلباتها .. يعيش كآلة محددة المسار متناسيا تطلعاته وأحلامه بالحياة .. يسير على حبل مشدود معلق بالهواء .. يخشى السقوط فلا ينظر يمينا أو يسارا .. يتنهد و يحمد الله ناظرا في الأفق خارج هذه الدوامة اليومية .. وتظل رحلته للبلد هي متعته التي ينتظرها من شهر لآخر .. رغم ما تحمله من عبأ السفر وتكاليفه .. ويذوب كل ذلك بنظرة رضا يرتجيها من أمه وإخوته .
تحركت الحافلة ببطء وسط زحام مروري لامبرر له في هذه الساعة .. وسط مطبات تملأ الشوراع ويزيد من صعوبة المواصلة نفسها .. ازداد الإزدحام داخلها حتى شعر بالاختناق .. وسمع همهمات ومناوشات بين الواقفين من الركاب .. إنفعل السائق وأصرعلى أن يهدأ من بالحافلة.. زاد تناوش الركاب مع السائق حتى كادوا يشتبكوا معه بالأيدي .. أخذ يوجه لهم السباب بألفاظ مقذعة وسب أحدهم بالدين ..
ازدادت حدة الخناق وبدأت السيارة تتوقف ويشتبك السائق معهم .. واختلط الحابل بالنابل وبدت وكأنها سويقة صغيرة في شارع ضيق .. تشم فيه رائحة العرق ويصفعك صوت الزعيق كهواءا باردا بهذا الشتاء.
كانت الحافلة تسير بمحاذاة النيل في اتجاه وسط البلد .. حينما هب أيوب أفندي غاضبا ومعاتبا السائق .. وعلا وجهه الإمتعاض مما قاله أيوب أفندي فتشاجر معه .. واستمرت هذه الهوجة لمسافة طويلة .
وفجأة وبلا أي مقدمات .. أصر السائق على الذهاب لقسم هيئة النقل العام خلف مبنى التليفزيون .. أحس أيوب أفندي بخطر القادم من أحداث .. محاولا إقناع الركاب بالشهادة بما راوه من إهانات السائق .. وجد نفسه وحيدا يتحدث لنفسه .. نزلوا جميعا من الحافلة وساروا على الأقدام إلى التحرير ..
في القسم وقف يطالب بحقه من هذا السائق .. تمهل أمين الشرطة في كتابة المحضر .. وقف السائق والكمسري والمخبر الذي كان يسب الركاب ويلعن أبوهم .. كان هو سبب الخناقة .
أصر أن يفتح محضر للسائق والمخبر .. طلب منه أمين الشرطة بطاقته لكي يثبتها بالمحضر .. هنا كانت المفاجأة التي أخرسته .. اكتشف فقد حافظة نقودة وبها راتب الشهر أثناء الخناقة .
وقف صامتا لايدري ما يقول .. فقط يفتش جيوبه كلها بلا فائدة .. ما العمل اذن ؟ لايدري .
خرج من القسم بعدما نطق الشهادتين وكأنما وولد من جديد .. وعليه أن يواجه نفسه بما يجب فعله .. تجسدت أمامه خمسة مشاكل عويصة أتعبت ذهنة لأول وهلة من التفكير فيها .. تأخر عن مواعيد عمله بساعتين وهذا أول العقبات .. والأسوأ من ذلك فليس معه نقود ليركب مواصلة للعمل .. ولذا فعليه أن يسير مسافة نصف ساعة ليصل للشركة .
متعبا من طول الوقفة وكذا التفكير في ترتيب خطواته .. تكومت كل المشاكل على رأسه مرة واحدة ..
كيف سيقضي شهر كامل إلا يومان فقط .. بل ماذا سيفعل في استحقاقات أمه وإخوته .. ومدرسة إبنته ودروسها .. ولو مرض أحدهم وليس معه مليم واحد ببيته ؟
كيف يخرج من هذا المأزق الذي وجد نفسه واقعا فيه .. تحتاج حل سحري يبدأ وينتهي بتوفر نقود معه .. مئات الاسئلة عصفت بصفاء نفسه وألقمته للهواجس طوال الطريق .. أوصلته لنقطة العجز عن التفكير .. أحس حرارة تسري بجسده .. تصبب العرق من جبينه رغم برودة الجو .. وسار كالمحموم متثاقلا محوقلا ومستغفرا راجيا الحل من الله .. شاغلا ذهنه بعد خطواته نحو الشركة .
حينما وصل للشركة كان الظهر قد حان ولاأحد هناك .. ولاسبيل لطلب سلفة إلا في بداية الأسبوع القادم .. لم يجد إلا عم محمد ساعي القسم فاقترض منه مبلغا صغيرا حسبما توفر له .
أمضى باقي اليوم في شراء إستمارات البطاقة وختمها من الشركة .. ثم ذهب بها سريعا للسجل التجاري .. ومنه لعمل الأبونيه ورجع عائدا لمنزله قرب العشاء .
بعدما إنتهى من البسيط تبقى ما هوأعتى من وجهة نظره .. وعانى هاجس رهيب يأخذه لمناطق مظلمة .. كيف سيواجه زوجته المتبرمة باستمرار ؟ وكيف سيتدبر أمره وكيف ستتقبل الأمر ؟ ..
راح بهدوء يعد دفاعاته واستعاد كل ما حدث في ذاكرته .. جهز إجابات متعددة لأسئلتها التي لاتتوقف .. كان لونه يمتقع ويجف ريقه كأنه حطب ناشف كلما اقترب من منزله .
دلف بهدوء مصطنع من باب شقته الصغيرة .. تتبدى علامات الخيبة والفشل والإكتئاب على محياه .. تلاشى النظر إلي زوجته وابنته .. دخل مباشرة لغرفة نومه بلا كلام أو سلام .. جهز نفسه لمعركة قادمة لامحالة ..
هده التعب وأسلم جسده للسرير .. واستغرق في النوم لفترة قصيرة .. انتبه لربت لطيف على كتفه .. كانت ابنته التي بادرته بدمعة وحضن معاتبة له على تجاهلها .. احتضنها واجابها فقط بدمعة صامتة ..
بهدوء دخلت زوجته تحمل صينية عليها طعام ووضعته بجانب السرير .. اخذت يديه بيديها وسألته مابك ؟ حكى لها ماحدث كله وهي تستمتع له بصمت مطبق ..
وأخيرا قالت له في حنو غريب .. فداك كل حاجة المهم أنك بخير .. الغدا جاهز كل وبعدين يحلها الحلال.
- يا خسارة
- التعليقات