اسمعني، يا ولدي…
كنتُ منذ دقيقتين منهمكاً بقراءة الجريدة حين اجتاحتني موجةٌ من النّدم.
تزاحمت الصّور في مخيّلتي فتعبت كثيراً في ترتيبها.
غضبتُ منك صباحاً ووبّختك توبيخاً شديداً حين كنت ترتدي ثيابك قبل الذّهاب إلى المدرسة لأنّي قدّرت أنّك تماطل.
ثمّ زدتُ الطين بلةً حين رأيت حذاءك غير الممسوح فزمجرتُ زمجرةً اهتزّ لها كيانك الصغير.
وخلف مائدة الفطور وجهتُ إليك ملاحظاتٍ جديدةً فقدّرتُ أنّك تأكل بشراهة ولم تعجبني طريقتك في الجلوس، فأفهمتك أنّه من قلّة الأدب أن يضع المرء مرفقيه على الطّاولة، ثم تحولتُ إلى رغيف الخبز الذي بدت لي كمية الزّبدة التي دهنتَها عليه زائدةً عن الحدّ المقبول فسألتك غاضباً:
ـ هل كنتَ ستلتهم الكميّة نفسها من الزّبدة لو كنتَ مَن يدفع ثمنها؟
يا إلهي! أيُعقل أن يتلفّظ أبٌ بمثل تلك العبارات؟
وحين رأيتني مغادراً صحتَ قائلاً:
ـ إلى اللّقاء، يا أبي.
فالتفتُ وعقدتُ حاجبيّ وقلتُ لك، والغضب يتطاير من عينيّ:
ـ لا تتأخّر عن المدرسة.
وكأنّ كلّ ذلك لم يكفِ عاودتُ الكرّة مساءً…
فحين عدتُ من عملي رأيتك تلعب بالكرة في الحارة مع مجموعة من الفتية. لم أتنبه على السّعادة التي كانت تصدح بها حناجركم الصّغيرة صيحاتٍ تبث إلى الدنيا أملاً وبهجةً. لا، لا… كلّ ما لفتني قطراتُ العرق على جبينك الصغير فسحبتك من يدك دون أن أبالي بمشاعرك أمام رفاقك وصحتُ غاضباً:
ـ الأولاد المهذّبون لا يلعبون في الشوارع.
وخلال الدّقائق القليلة التي استغرقها وصولنا إلى البيت رحتُ أحدّثك غاضباً عن العناء الذي أتكبّده في حياتي من أجلك. أنصتَّ إليّ لكنّي أجزم أنّ عقلك لم يفقه شيئاً ممّا قلتُ.
وهل يستوعب طفلٌ في العاشرة معاني كلمات المسؤوليّة والواجب والالتزام؟
بيد أنّك نسيت لهجتي الصّارمة وعدتَ إلى غرفتي بعد دقائق. وقفتَ قرب الباب تنتظر إشارةً لم تأتِ ثم انتبهتُ إليك أخيراً فرفعتُ عينيّ من الجريدة التي كنت أقرأها وسألتك:
ـ ماذا تريد؟
اجتاحت الحيرةُ كيانَك الصّغير لكنّك تجاوزت الخجل الذي لفّك فانطلقتَ نحوي دون استئذانٍ فرميتَ ذراعيك الصّغيرتين حول عنقي ولففتني وطبعت قبلةً على عنقي بكل الحبّ الذي أسكنه الله قلبك الصغير ثمّ انطلقتَ راكضاً إلى غرفتك بعد أن قلت لي:
ـ تصبح بخير، يا أبي.
ولئن كنتَ قد غادرت دون انتظار المزيد فذاك من تقدير الله عزّ وجلّ الذي لم يشأ أن تلاحظ اضطرابي واهتزاز مشاعري.
لم يشأ المولى أن أحاول أن أبحث أمامك عن إجابات لأسئلة دهمتني دون رحمةٍ.
فإن كان الهدوء والسّكينة يلزماني كي أحضنك كما يفعل الآباء فمنذ متى لم أعرف لحظة سكينةٍ؟
إن كنتُ أطلب منّك التزام الهدوء دوماً فأين مساحة الطفولة التي عليّ أن أتركها لك؟
كيف خطر ببالي أن أطالب عقلك الصّغير باستيعاب أسرار الحياة أثناء زمن الحرب، وأنا الذي لم أفعل ذلك؟
كيف يا ربّي؟ كيف؟
صدّق، إن شئت، يا صغيري، أنّ دمعتين انهمرتا من عينيّ فبللتا الجريدة التي ما عدت أستطيع قراءتها لشدّة ما تشوّشت رؤيتي!
صحيحٌ أنّي أحبّك من أعماق قلبي، ولكن…
أبهذه الطريقة يعبّر المرء عن مشاعره؟
كيف غفلتُ عن القداسة التي سكنت قلبك البريء؟
قلبك الواسع اتساع الفجر خلف الروابي!
بيد أنّ شيئاً آخر ما عادت له أهميةٌ بعد اليوم.
لقد قررتُ أن أبدأ عهداً جديداً معك، يا ولدي.
لن أتأخّر بعد اليوم في مكتبي مهما تكن الأسباب… هل تعلم لماذا؟
لأنّي أشتاقك على الدّوام، يا صغيري…
لأنّك بلسم حياتي وزهرتها البهيّة…
سنغيّر كلّ شيء، يا صديقي… سترى ذلك…
نهضتُ بخطى متعثرة ودفعتُ باب غرفتك التي أنارها ضوء خافت فوصلتني أصوات تنفّسك الرّتيب فجلستُ على طرف سريرك، والخشوع يجلّل قلبي. نظرتُ إليك فرأيتك قد وضعت إحدى يديك تحت رأسك في حين التصقت خصلات شعرك الأشقر بجبهتك التي بللها العرق، وكأنّ ملاكاً، لا طفلاً، رقد في سريرك فحدّثتك دون أن أوقظك عما اعتراني من حيرةٍ وندمٍ.
ألأنّي لم أجد الشجاعة الكافية كي أكلّمك عن كلّ ذلك أثناء يقظتك؟
أم لأنّي أيقنت أنّك ستنظر إليّ دون أن تفقه شيئاً ممّا سأقول؟
وكيف لك أن تتجاوز البراءة التي تميّزك كي تستوعب ما أقول؟
المهمّ في الأمر أنّك ستعرف حين استيقاظك أباً جديداً لم تعهده من قبل… أعدك بذلك.
(سأطبطب) عليك حين تكون حزيناً وأضحك معك حين تكون فرِحاً ولن أزجرك أبداً بعد اليوم.
وسأرسم لنفسي كلّ مرّةٍ أشعر فيها بالانزعاج منك صورتك حين كنت، منذ وقتٍ ليس ببعيدٍ، رضيعاً يلتهم الحليب من ثدي أمّه وأردّد في أعماقي:
ـ رحلتِ حبيبتي، ولم يبقَ لي منكِ سوى صبيٍّ صغيرٍ… صبيٍّ صغيرٍ.

أضف تعليقاً