في ذلك اليوم؛ ألقيت نفسي بين أحضانها وهي تركب قطار الرحلة الأخيرة في الحياة؛ رحلة العدم الأبدية.. ضممتها لصدري مستسلمة بعد أن قاومت كثيرا،خارت قواي بعدما تلقيت قدرا لا محسوس من لكمات الحياة، فاضت العبرات كنهر النيل بعدما تمسكت بأرث خيوط قسوة وقوة وبحوزتي ألم يؤكد أن قلبي لم يكن ليرضخ.. مضت السنون التي ظنناها حقبا وقرونا،شخت وشاخ الشباب من شبيبتي وأنا طفلة منسية.
مضت الليالي التي حسبتها النهاية اللا منتهية لحياتي المنتهية..
لم يكن يسيرا على مشاعري اليتيمة أن تقدم السماح، كأضحية لعيدي الثامن عشر، كان الأجدر تعريف نفسي كمراهقة في حاجة لأمها التي تركتها ذات يوم على رصيف مهجور، تصفعها الريح تكرارا، ويشفق عليها المارة تبعا..
وأتت بعد كل سنين عمري الضائعة المشردة، اليتيمة.. بعدما قضى الجوع والتجويع، الخوف والقمع على آخر ذرات الرحمة في كياني، أتت بدموع مرئية تناديني “بنيتي” وتسلبني يتمي بأمومتها الكاذبة، كانت سيدة تحوم حول الأربعين، طويلة وذات قوام ممشوق، بسحنة مشرقة، وهيئة توحي بانتمائها للطبقة الميسورة الحال.
– بنيتي؟؟؟!!!كأن هذه السيدة تقصدني؟
كان هذا أول رد فعل يقوم به كياني لمواجهة العنصر الدخيل، أو لتجاوز لحظة الصدمة تلك..
كان حري بي الهروب من هكذا كابوس مريع؛ فانسحبت لأصاحب البحر كعادتي، صديقي الذي أكرم مثواي بالإستماع الدائم، المستمر، صديقي الذي لجأت إليه طيلة سنيني الماضية ، فكنت أجمع ترسبات الحقد،الكراهية والألم التي تراكمت بأحشائي لآخذ بدلها راحة ورضى كصفقة تجارية ناجحة أكون فيها الرابحة بكل الأحوال..
عدت لدار الأيتام التي احتوتني والتي أعدها تشردا من نوع ثان بعدما قضيت نهاري بطوله أنوح بين أحضان صديقي، ظننت أن مسرحية الأمومة التي مثلت أمام مقلتاي صباحا قد انتهت..
وجدتها هناك بانتظاري!!!!!
ندت مني ونطقت:
-خشيت ألا تعودي طفلتي، انتظرتك هنا طويلا..
لم أستطع تصديق ما سمعته، انتظرتني طويلا!! وماهي سوى ساعات لا يمكن إدراجها في صندوق الوقت الضائع، لم أصمت أفكاري هذه المرة ولم أجبرها على الرقود، انبعث صوتي الممزوج بالحسرة والألم:
– ماذا تريدين أيتها السيدة؟؟ اليوم تذكرت ابنتك؟؟ اليوم عرفتي أنك أم؟ كأن فجر ضميرك صحى في وقت لا جدوى من صحوته؟؟
اقتربت بدموعها محاولة كسب ودي وضمي لصدرها، صدر الأم الذي تسائلت طويلا عنه، لكن كياني انتفض لا إراديا لينبذها من أدنى عواطف شفقة، ويجمد آمالها الكبيرة أن يكون لها في نصيب..
وضعت يديها على فمها مدارية بذلك شهقة حزينة وانسحبت نحو الباب.. وما هي سوى لحظات حتى حملت الرياح لمسامعي صوت صرخة عميقة تدل على حادث سيارة مريع..
هرعت تسابق قدماي الريح ، ما إن وصلت للباب حتى صرخ لا وعيي
– أمي
الكلمة التي لم ينطق بها لساني يوما.. كل مشاعري الباردة استيقظت من سباتها العميق في تلك اللحظة اللا معهودة..
لأجدها ملقاة على الأرض، ضممتها كما لم أفعل مع أحد، ثم نطقت بصوت متقطع:
-س..امحي..ني بني..تي كنت مرغ..مة!!!
وأغمضت جفونها لتتركني كورقة الخريف في مهب الريح؛ لا هي قادرة على التشبث بجذعها الفتي ولا هي ظلت شامخة في عليائها، ولا هي تهاوت لأديم الأرض حيث تبدأ رحلتها الجديدة!!!!!.

أضف تعليقاً