..القبو المتعفن صار جنة بفضل أنامل أمي السحرية،غسلت جدرانه المتسخة ،و غطت الشقوق و الردود بزرابيها التقليدية،زرعت شتلات هنا و هناك فأحالته مسكنا بعد أن كان غارا ترتاع فيه الجرذان والحشرات.أمي كانت فنانة تبرع في كل شيء و لا أدري كيف انغمست في حياة المدينة بسرعة و كيف سايرت ذاك العالم الغريب عنها، كنت أراها كالنحلة لا تكل و لا تمل من عمل لأخر ،بسرعة تداعى صيتها في العمارة لتقصدها نساؤها عارضة عليها العمل في بيوتهن ،و أمام شح الأجرة التي يحصل عليها أبي لم تجد بدا من القبول،بل و استطاعت بهمة أن تطوف في اليوم كل البيوت تكنس و تنظف وتطبخ ، ترعى صغار الموظفات لتعود آخر اليوم منهكة محملة ببعض الأطعمة .أبي هو الأخر انغمس في عمله حارسا و منظفا يذرع العمارة صعودا و نزولا يقضي حاجات ذاك من السوق و يخرج القمامة لذاك و يملأ قنينات الغاز لتلك…
أنا كنت الأسوء حالا،تداعت في عيني صورة المدينة الحلم ضقت بها ذرعا من أول أسبوع،دنيا ثملة بالصخب،وجوه مكفهرة لا تعرف إليها الابتسامة سبيلا،لا عصافير تزقزق على نافذتي ولا صوت سوى صرير السيارات و ضوضاء الأبواق وحناجر الباعة المتجولين.جو خانق مفعم بالرطوبة, بدأ الضجر يزحف إلى قلبي تمنيت لو أعود إلى قريتي.. إلى كتاكيتي .اشتقت إلى رائحة العرعار المنبعثة من الغابة ورائحة التراب المبلل بقطرات الندى في البيادر، ورائحة الروث في الحظيرة.. كم اشتقت لخرير النهر وصوت الديك الذي يوقظني كل صباح..لحجر الحجلة و أنا أركله و أقفز منتشية. تمنيت لو نعود و بكيت طويلا مطالبة بالعودة إلى قريتنا فما وجدت غير آذان صماء لا تلقي بالا لصوتي ولا لألمي.
شيئا فشيئا بدأ يبتلعنا يم المدينة فغصنا في أعماقها ،جبنا شوارعها ،ارتدنا أسواقها ، رأينا عماراتها الشاهقة وأناسها الذين يحسسونك أنك غير موجود! نسينا القرية أو تناسيناها، ألفنا و تآلفنا مع العيش الطافح بالحيوية.
ولجت المدرسة النظامية أخيرا،كنت في البداية أجلس في آخر الصف كالمنبوذة وأسمعهم ينعتونني بالقروية ذات الشعر المجعد و كلما هممت لأنتقم تذكرت أصابع أبي على خد أمي.. ! حين أعود باكية كانت أمي تربت على رأسي قائلة:
– صبرا بنيتي ستعتادين..
تفوقت في أول سنة فصار الكل أصدقائي، كم سعدت بذلك.. !
توالت السنين و تغير كل شيء حتى أبي تغيرت طباعه الشرسة،بعد أن ذاق ذل العمل انكسرت شوكته،في حين تفرعنت أمي و صارت أحيانا لا تطاق،تعلمت من نساء الطبقة الراقية،أنها كيان قائم بذاته خاصة وأنها كانت تكسب من عملها في البيوت ضعف ما يكسبه أبي،مما جعل لها شوكة في المنزل، وحتى عقدة الإنجاب حلت فأنجبت مولودا ذكرا فثانيا.اتسعت العائلة و اتسعت معها الهوة !.

أضف تعليقاً