قرر الدكتور سالم العوامري ابن قرية نجع العوامر أن يكرس ما بقي من حياته في خدمة أهل قريته، كان قراره بالعودة مدهشا لكل من كان يعرفه، فذلك الرجل الذي أوقف حياته كلها على العلم حتى صار العالم الأول في مجاله، وأي مجال؟
إنه تكنولوجيا الذرة والطاقة النووية، ذلك المجال الذي تتهافت على علمائه كبريات الدول وتستخدم كل الوسائل مشروعة كانت أو غير مشروعة في سبيل استقطابهم للعمل في مفاعلاتها، وبالفعل نجحت أكبر تلك الدول في الحصول على خدمات الدكتور الشاب آنذاك سالم العوامري والذي ما كان ليوافق على ترك وطنه الذي يعشقه لولا أنه استيأس أن يحقق فيه طموحاته اللا محدودة والتي استيقن أن البيروقراطية والروتين لابد واقفين حجر عثرة في طريق تحقيقه لأي إنجاز، ورغم ذلك فقد قطع على نفسه عهدا أن يعود لبلده يوم يجد في نفسه قدرة على تقديم خدماته لها ، وسيبدأ من مسقط رأسه، من القرية التي ولد فيها، وبعد ذلك يحاول أن يصلح حال بلده كلها، وها هو يبدأ في تنفيذ ما قطعه على نفسه من وعد.
لقد حقق الدكتور سالم ثروة هائلة في تلك البلد التي وضعت كل إمكاناتها لخدمة عبقريته الفذة، كانت تلك الأموال الضخمة التي حازها سالم مقابلا لكم هائل من الخدمات العلمية والنظريات الهامة قدمها هو بجد وإخلاص لتلك الدولة التي تبنت طموحاته.
لم تكن لسالم أسرة فقد كان وحيد والديه الراحلين وفي غمرة نهمه للعلم نسى سالم أن يكون أسرة فقد تزوج المراجع والأبحاث والنظريات وأنجب إنجازات سطرت بحروف من ذهب في كل الجامعات العالمية المهتمة بمجاله، هذا غير مجموعات من الأبحاث السرية فازت بها فقط تلك الدولة التي تحققت على أرضها.
لذلك كان قرار سالم بتكريس كل ثروته وما بقي له من عمر لخدمة بلده.
كان سالم يعلم أن أهم ما يخدم فيه بلده هو اهتمامه بالتعليم فيها وأنه لو صلح حال التعليم لصلح كل شئ، أعد خطة كاملة متكاملة لتحقيق تطور علمي حقيقي وسريع، وقرر أن تكون قريته نجع العوامر نواة لمشروعه العظيم، ومنه يمتد إلى كل أنحاء البلاد.
عاد إلى الوطن وقرر أن يعقد في قريته مؤتمرا يعلن فيه عن مشروعه العظيم والذي خصص له كل ثروته وما بقي له من عمر.
وفي يوم المؤتمر والدكتور سالم في طريقه إلى قريته مستقلا سيارة أجرة عتيقة ومعه فقط في السيارة سكرتيره الخاص والذي أعد له فعاليات مؤتمره ودعا له كل أهل القرية، تقترب السيارة من مدخل القرية ويلاحظ الدكتور سالم إجراءات أمنية مشددة على جانبي الطريق، وأهل القرية مصطفين على الجانبين، فيميل على سكرتيره متسائلا :
…هل أخبرت المسؤولين وطلبت منهم تأمين المؤتمر يا عصام؟
…لا يا سيدي…يبدو أنهم سمعوا عن المؤتمر من أهل القرية…فتطوعوا لتأمينه….حضرتك شخصية عالمية مهمة جديرة بالاهتمام والتكريم
…ولكن ألم تلاحظ يا عصام أنه حتى الآن لم يأبه بنا أحد؟
وحتى هؤلاء الناس على الجانبين لم يشيروا لنا بالتحية.
…لا تنسى يا سيدي أننا نستقل سيارة أجرة عادية…هم يتوقعون أن نأتي في موكب ضخم من سيارات فارهة…أرى أن نقف ونخبرهم بحضورنا
…لا لا يا عصام لا أحب هذا….دعنا نذهب إلى السرادق بالتأكيد سيكون مزدحما بأضعاف تلك الأعداد
…كما ترى يا سيدي
وتنطلق السيارة إلى السرادق والذي أصر الدكتور سالم العوامري أن يكون أمام منزل والده الراحل حتى يتذكره الناس بالخير ويدعون له بالرحمة أن أنجب لهم عالما عظيما بارا مثله.
ويصل الدكتور سالم إلى السرادق والذي يجده خاليا إلا من عمال متعهد السرادقات والذين يجلسون متململين.
فيهمس في أذني سكرتيره:
…ألم تخبر الناس عن المؤتمر يا عصام؟
…بل أخبرتهم جميعا يا سيدي…أعتقد أنهم ما زالوا ينتظرون على جانبي الطريق…سأرسل من يخبرهم بوجودك هنا
ينظر الدكتور إلى ساعته ثم يقول:
…لا يا عصام بقيت ساعة على موعد افتتاح المؤتمر…دعنا نستريح فيها من عناء الطريق وبالتأكيد سيأتون.
…كما ترى يا سيدي
وتمر الساعة وبعدها ساعة أخرى ولم يأت أحد بعد، يلاحظ الدكتور وسكرتيره تململ عمال السرادق وكأنهم يريدون شيئا ولا يجرأون على التصريح به فينادي عليهم الدكتور، ويسألهم :
…ماذا هناك…هل تريدون شيئا؟
يبقون صامتين لحظات حتى يتجرأ أحدهم ويقول:
…سيدي نريد أن نستأذن منك لحظات نذهب فيها لنستقبل نجم الكرة العالمي هاني العوامري ابن هذه القرية مثلك يا سيدي، أنه اليوم في زيارة للقرية ولعلك لاحظت أهل القرية جميعهم في انتظاره وتلك الإجراءات الأمنية وهي فرصة لا تتكرر بالنسبة لنا…أرجوك يا سيدي اسمح لنا بالذهاب
ورغم ذهوله ودهشته يسمح لهم بالذهاب وينظر ناحية سكرتيره ويلاحظ أنه يريد أن يقول شيئا هو الآخر، فلا يتركه يتكلم ويقول له:
..يمكنك أن تذهب معهم يا عصام
- يوم الوفاء
- التعليقات