اعترضت أمي وبشدة على زواجي منه لأنّنا في عمرٍ واحد.
_يا أمي والله لسنا في نفس العمر، هو يكبرني بشهرين.
_ياسلام عليك، وهل الشهران ستجعل منه رجلاً؟ ردت بعصبية.
قلت في تحدٍ: هو رجلٌ يا أمي، وقد تخرج من الجامعة وسيعمل في شركة.
صفعتني بردِّها: رجلٌ لطفلةٍ في عمر الخامسة عشر، وليس لامرأة في الثالثة والعشرين.
_أممم…
لم أعرف كيف أردّ وقد انهارت قواي وأنا أناقشها، فقلتُ بعصبيةٍ بعد أن وقفتُ لها كالندّ: تعبت يا أمي تعبت…. من أين لي أن أحصل على زوجٍ يكبرني بسنوات؟ هل أبحث في قوائم خريجيّ السنوات الماضية؟ أحببنا بعضنا من أربع سنوات وما زلنا يا أمي. ثمّ بكيت… وبكيت…بعدها بدأتً بالتوسل الذي كان لا بدّ منه.
فصارت تحاكيني ببعض اللين: يا بنيتي، خطأ كبير أن يكون زوجك في نفس عمرك، عندما تشيخين سيكون هو شاباً تتمناه النساء.
تدّخل أبي والأعمام والأخوال… فكان الزواج الذي باركته أمي مجبرةً.
اليوم عيد ميلادنا نحن الإثنان، وهو الأول بعد زواجنا (قد اتفقنا تجاوز فارق الشهرين بيننا وإقامة العيد في يوم واحد).
كنّا لوحدنا، قمنا بتصوير كل الحفلة بفنٍ وبراعة وبعثناها للأهل والأحباب. (كم كنّا سعيدينِ وقتها).
جاءتني التهاني على حسابي الشخصي، ولكني أخبرت صديقاتي بأن عيد ميلادنا صار واحداً، فصرنَ يبعثن لي الضحكات، وبعضهنّ من أتهمتني بالبخل بمزاحٍ وقهقهات.
تمر السنين، واليوم هو عيد ميلادنا الأربعين، الحفلة كانت راقية جداً بوجود الأولاد وهداياهم المفرحة.
تلقيت في صفحتي الشخصية التهاني والتبريكات، والمزاح الثقيل من بعضهن: “لقد عجّزتِ خلاص…”
“الأربعين يا عجوز ها ها ها…”
“من الآن سنقول لك عمتي”
“مليون مبروك.. وعقبال المئة”
لا أخفيكم سراً في أنّ هذه التعليقات أزعجتني كثيراً، ممّا اضطرني لغلق التلفون وسرحتُ بعيداً.
تملكني الفضول لرؤية ما كتب أصدقاء زوجي فرحتُ أتصفح تلفونه وهو نائم.
“مبارك لك…شباب ماشاء الله عليك.”
“ولا كأنها أربعين، تبدو في العشرين صديقي”.
“حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنةً…ها ها ها..”
رميتُ التلفون من يدي وهي ترتعش، ورحتُ أنظر إلى وجهي في المرآة أتلمسهُ وأنا أمشط شعري..(إنه جميل، مازلتُ شباب… وإن هي إلا مزاحات الفارغات والفارغين.. و و ..).. طمأنتُ نفسي ونمتُ بهدوء.
لا أدري ما الذي أصابني، هل هو الشيطان يوسوس لي، أم أنها حقائق أجهلها.
خرج زوجي من غرفة النوم متشيكاً متأنقاً ببذلته الرسمية والعطر الذي لم أشمه فيه من قبل. فما كان مني إلا أن وقفت له بالباب: ماشاء الله عليك، ماهذا الجمال ولماذا؟
فاستغرب وفتح عينيه: جمال؟ ولمَ؟ غريبة طريقتك في الكلام اليوم، ألا تعرفين أن اجتماعنا كل بداية شهر؟ أتريدينني أن أخرج بملابس كل يوم وأنا المدير؟
خرج وهو مستغربٌ من تساؤلي “وبصراحة بدوتُ وقتها غبية جداَ”.
كل يوم تزداد شكوكي، بعد أن يجد شيطاني لي حدثاً يستدعي لهذا الشك.
_أراك لا تهتم لي مثل زمان، وكأننا صرنا أصدقاء، ألا تلاحظ هذا؟
_إنها الحياة الصعبة عزيزتي، وأنت ترين بعينك كيف أني أتعب ولا أرجع إلا قرب العصر.
_أريد أن تأخذني اليوم إلى الطبيب، عظامي تؤلمني.
_خذي أمك واذهبي، قد تعودت الذهاب معك فوقتها كله فراغ في فراغ.
تعدد أطبائي. طبيب العظام، والمسالك البولية… طبيب الباطنية وآخر لآلام الرأس المزمنة… حتى صار لديّ كيس أدوية أتوه فيه…وهو يخرج للنادي… واويلاه.
ضحك كثيراً عندما طلبت منه التسجيل في النادي والمسبح: بربك، أي نادي يدخلك ووزنك زاد عن الثمانين؟ وتسبحين؟ ها ها ها.. لا تخبري أحداً بهذا فيهزأ بنا.
كل يوم أتساءل: لماذا هو يتمرن دائماً؟ لماذا يحرص على برنامج للريجيم؟ لماذا لا يأكل كثيراً؟ لماذا يبتسم دائماً؟ لماذا هو أجمل من ذي قبل؟!
ثمّ أن هناك أمرٌ غريب استجدّ، فهو يشتري الكثير من القمصان الحديثة والعطور الغالية، بعد أن كان يرفض هذا بدعوى الإقتصاد.
تعبتُ من شكوكي ونكرانه، فقطعتها بعد أن تأكدت أنه على علاقة مع أخرى فسهرُهُ على التلفون بعد أن وضع له رمزاً سريّاً أمرٌ لا يخلو من الريبة…
حزمت حقيبتي وخرجت في هدوء إلى أن استقر رأسي في حضن أمي يبكي. لا أدري لماذا أحسستُ أنها تشفت بي وخاصةً عندما أصرّت إلا أن أتطلق منه. صارت تذكرني بنصائحها زمان: قلت لكِ يافهيمة، ستشيخين وهو يجدد الشباب.
_كفاكِ أمي، كفاك بربك…
الأولاد صاروا يتوسلون بي كي أرجع للبيت، مؤكدين أن ما أحكيه خرافات لا أصل لها، وهو يأتينا متوسلاً أمي أن أقابله فأرفص، وأرفض، فيرجع رأسي باكياً في حضن أمي.
مرت قرابة السنة على هذا الحال، وقلبي يتوجع يوماً بعد يوم.. حتى أني كنتُ أحسُ أنه قد تورم “يا إلهي.. هل للقلوب أن تنفجر؟!”
فتحتُ تلفوني، فإذا التهاني والتبريكات بعيد ميلادي الواحد والأربعين، كانت صدمةً لي، فهل نسيت؟ أم أن قلبي لعب معي لعبة التناسي؟
هربت من حضن أمي صباحاً وهي تشخر(مؤكد هي تراني في حلمها الآن عجوزاً شمطاء وتراه شاباً يركض في المراعي بين الغزلان)..
دخلتُ صالون تجميل، فلعبَ بشعري ووجهي مالعب، وحتى أني وضعت عدسات ملونة.
عرجتُ على محل هدايا وزهور، ثم محل حلويات، حملها العامل إلى البيت قبلي، واشترطت عليه أن يرتبها بنفسه.
دخلتُ فجأة فبُهتّ..”البيت نظيف ومرتب..الأنوار خافتة.. الموسيقى التي أحبها!”… احتضنني والعبرة تخنقه..
قلت له: لا أريد أن أبكي فقد بكيت كثيراً في حضن أمي، وأيضاً الدموع ستتلفُ المكياج.
قال لي بحنانٍ: إحساسي لا يكذبني، فقد قال لي أنك اليوم ستحضرين عيد ميلادي وستجلبين لي هدية، ولهذا تأنقتُ وتشيكت وألغيت كل المواعيد وانتضرتك.
استغربت: عيد ميلادك؟ أليس هو عيد ميلادنا؟!
_لا..لا.. هذا عيد ميلادي، وعيد ميلادك بعد شهرين. أم أنكِ نسيتِ أني أكبرك بشهرين يافهيمة؟
ضحكنا كثيراً، وكثيراً.. وخاصة بعد أن أهداني ملابس رياضة وكارت النادي.

أضف تعليقاً