أضاء ارتجاف أصابعها قناديل الإصباح ، فاستنار قلبه وانفرجت الأسارير ، أطلق ابتسامة فارتسمت على محياها طمأنينة ما فارقت عشهما أبداً .
اقتلع الغياب بتلات الفؤاد وضاعت همهمات الحلم الندي على بعد المسافات.
أعدّت الإفطار للجميع ، ملأت الأكواب و قطّعت الجبن و صفّت الأرغفة .
السنون أخذت من سعة صدرها ولم يبق منه إلا فتات يتناثر على ضفتي عجز تتسع حلقاته يوماً بعد يوم .
دخل ووجه يقطر ماءً ، يتكئ على الجدار حيناً ويدنو من الأرض وكأنه يحبو حيناً آخر.
الليل الذي هدهد صغار القلب في سرير مهجتها ، قطّب الجبين ليرسمهم دموعاً أحرقت وجه قمر ملأت التجاعيد أفناءه.
جلسا بصمت ، راحا يبحران في عينيّ الضحى ، الشيب الذي غزا شلالات شعرها باكراً أشرق في ظلمة لياليها الحالكة .
تحلّق عصافير روحها حول المائدة ، يهرجون ، يتصايحون ، يتبادلون الضحك والمزاح و الغمزات .
راحت تمازحهم ، تكلمهم ، تسكب الشاي لصغيرهم ، تناول أوسطهم حبات زيتون ، وتبادل أكبرهم ابتسام كنسيم غروب .
مسحت بكفها على رأس أقربهم فسرت قشعريرة لذيذة في أرجاء الروح ، تنهد صبحها وغارت الجراح في سعادة اللحظات .
مدّت لتناول رفيق العمر كوبه ، أمسك يدها ، هزّها بقوة ، فانزاحت الغشاوة ، أمعنت النظر ، ما زالت الأكواب و الأرغفة عذراء كفتيات يلعبن في ساحة قرية منسية .
تساقطت أوراق خريفها و الوقت ربيع ، الدموع راحت تتسابق كغزلان يحاولن النجاة من خوف مفترس .
أدناها منه ، ضمّها إلى صدره ، فغابت في دنيا الوجع .
استحال البكاء نحيباً ، لاكت لقمتها الأولى من يده فاحتلت المرارة فمها ، نهضت مسرعة ، لحقها بعكازة وبرجل واحدة .
الظهيرة جثمت وتموز يشوي الجباه بسياطه الحارقة .
استلقى يهدّه التعب ، عظامه غدت كأعواد ثقاب ، فليالي البُعد أجهزت على ما تبقى من صبر و عزيمة.
أغرق اليأس قوارب الانتظار في بحر وحدته اللجيّ ، وفاح عبير احتراق أطراف القلب ليملأ الأمداء .
لاح أولاده ، اقتربوا ، التفوا حول أمهم ، يتهامسون ، يمسحون حزنها ، يقبّلون كفيها .
العرق راح يتصبب ، ضاق صدره ، ارتعاش سرى في بدنه ، و حين شارف الغروب ، ودعوا أمهم ، أخذوا بيده ، أهمل عكازته ، أسلمهم ذراعيه ، أغمض عينيه ، مضوا به يمشون الهوينى فمزق سيف صراخها صمت المكان .
- يَبَاب
- التعليقات