1- ذات مُناسبة، وفيما كانوا مُجتمعين، اعتلى المُهرج المنبر، أخذ الكلمة وأسْهب في الهذيان، هو صاحب المواقف والقوة الخارقة، هو القائد الذي أشعل نار الحرب وأطفأها، وللأسف وقع ضحية ثرثرة مُزعجة، كان يتحدّث للناس ليتفادى أثر فشله، فجأة أصابه الذهُول، الناس من حوله يَضحَكون ثم يَنصرفون، كان يُحَرك قدميْه بعَفويَّة، وهو مُكفن في ألبسته الفاخرة.. يتباهى، يُجَرْجر سَاقيه ويهتز، لم يلتف إلى الذين مَرُّوا على هذِه المنابر، والذين اسْتمَعوا إليْه وشَاهَدوا حَرَكاته البهلوانية، وجَعلوا مِنه فرْجَة، يَعتقدُ أنَّهم مُعجَبون به، وبأدائه السِيَّاسي الردى، وخطابه الهجين، والإعجاب بالنفس أحيانا سقوطا، يتوهَّم أنه الأفضل في التواصل مع الآخرين، والأكثر إفادة وإقناعا للمتلقي، يرى أنَّ الشمس ترتعش فِي كفه عندما يخطب، والكبار يذعنون لأوامره، لم ينتبه أنَّ حَركته مُرَاوِغة كالظل { والإنسَان كَائنٌ غَرِيب الأطوَار} كان يُحْصي أوْهَامه، يتمَادى في الإسْفاف والغباء، يُلقي غيْره بسُهولة، كما يُلقي السياسيون الفاشلون من سبقهم في المَهام، يلوك كلاما جَميلا، لكنه ليس مَعقولا ولا مُفيدًا، فهو يلتهم لهاث أفكاره، يَصرخ في جوْف المَدى المَمْزوج باليَأس، والمثقف الحالم لا يعلم أنه يجهل، وهو يجهل أن {الإنسان كائن واعي}وأنَّ وعْيه في مواقفه والتزاماته، وليس في إرواء نزواته، عُقلاء المدينة من كبار الجماعة يَنبذون من يتطاول عليهم، ويعتبرونه كيَانا غريبًا؛ يرفضون الزَّعامات الكاذبة بالمطلق، وقد ارتحلوا من السَّاحة السيَّاسية، وسكنوا زوابع النسْيان، لم يعد لهم وجُود بين تلك الطفيليات الحالمة، فالكائنات السيّاسية المتغطرسة ليس لها قناعة ولا اقتناع، يلتحفون عَباءة الماضي وأقنعة الحاضر، والحُلم نشاطٌ فكريُّ فيَّاضٌ، يُحدث استجابة لمنبه أو دافع، والدافع لدى السياسيين المشاغبين كارثة، فهم لا يتحرَّكون إلا إذا احترق البيت، وتشتت العيّال، وكان لهم نصيب من الوجَع والاحتراق، دفق من العبارات المتهرئة، شلال من الكلمات الصَّاخبة يَضخونها، للتلهية أحْيانا وأحيانا أخرى لصرْف الأنظار، سَرابٌ في صحراء قاحلة، كل شيء عنده زوْجا حتى الطريق، ولم يعد الزّمن هو الزمن، لم يعد المواطن يحمل وعيا وطنيا، ولم يعُد يصمد أمام المهازل المبرمجة، انفلتت الذكريات منهم جميعا، وصار يجمعهم الفراغ والتهريجُ والكذب على العيال.
2- ظل مصرًا على أنه الألمعي، وأنه الرجل السويُّ، يضرب على الحديد البارد، بيد فاترة فارغة نحيفة، يُخاطب الناس بطريقة فجَّة، والكلمة أسيرة المتحدث، يتوكأ على جراحهم النازفة، وعلى شقائهم، يبتلع أحلامهم كالأفعى، وأثقل عبْء يحمله السّامع سَماع السيّئ من القوْل، يَستأنف الضّحك على نفسه مُهرّجا، وقد ضحك على غيره كثيرًا، عندما كان واقفا، وبيده مقالد الأمُور، يحْلم اليوم بالرَّحيل إلى البعيد، بأحْلام مقتولة التقطها من الخرْدوات، وأفكار مُبعثرة غير مُتناسقة، كهوائية مُقعرة، تاهت صوَّرها ولم تعد مُجدية، كأنه يرجو من الشفق أن يُمهله قليلا، حُلم النجاة لدى هذه الكائنات السَّخيفة عصيّ، ينظر في فراغ المكان، لعله يجدُ من حوله مُسْعفا، يلتزمُ الصَّمت طويلا، الصَّمت لغة كما يُقال، تتعربد في أعماقه زوابع، لا يتذكر صديقا، ولا يذكره الأصدقاء، فهو اسْم بدُون لقب، وعنوان ضائع، العواصف الهوجاء تدور حوله، تلفه وتقتلع الجذور، تترك الهائمين من حوله أفواجا، تبقى الابتسامة تدور مع الريَّاح، تفتح الأشجار آذانها، تتبرعَم الأزهار، الريَّاح تندفع في وحشيَّة، تلفح الوجُوه، يمدُّ ذراعه في تشنج، يبتلع أحزانه، يرْتد صدى صوته ضعيفا خافتا، يُدغدغ أذنيْه، يبْعث تنهيدات حارَّة، كتلاً من الخواطر تترسب في أعْماقه، يُرسلها زفرات مُحْرقة، هَدْهَدات قلب موْجُوع، وكان من قبل فتاناً يخوض في أعراض الناس، يعْبث بمشاعرهم، كان يُمثل على غيْره ويسْخر، والسخريَّة تختبئ في جيْب معْطفه، كان مُسرفا في العتاب والنقد الجارح.
3- هو ذا في عزِّ الانكسار، في ذروة الإحْباط واليأس، ينزوي في ركن قصي مَهجور شبه مُعتم، يرتدي الطريق، يَدخل المقهى، يتملق بضحكات باهتة تنفلت منه ، تهرعُ إليه الأشباح تثني عَزيمته، يَرى الوجُوه في عيْنيه المبحلقتين، وهي تلعب في البياض غاضبة صاخبة، يتنقل كفراشة الشتاء التائة، يقرؤون خطواته وهيّ تقدَح المسافات، يسأل بصهد الكلمات أسْئلة خرسَاء، يجلس على الرّصيف، يخفي وجهه خلف أصابعه..يعودُ إلى البيت حزينا كئيبا، يقلب مخزونه من الذكريات، يكتب مُذكرات هزائمه ويَأسه، وما ارتكب من حَماقات وآثام، قد أطاح الزمن بآخر دفاعاته، فما أوجَعََهُ من أنين! أضحت تراوده هواجس لمَعانِي نبيلة انفلتت منه ذات مناسبة، هربت واختفت ومعها فقد الحنين، يسعى إلى استرجاع ما ضاع منه، وهيهات هيهات أن يَعود الماضي بألقه وصَفائه، فالأيّام تعبر جُسورها بسُرعة الضوء، والغيُوم يَجفَّ ضرْعها، وينكسر الغصن الرّطب، فينذوي البرعُم الولودُ، وتهجر الابتسامة ساحته ليعيش في هَامش الملل، الزوجة مُتحسِّرة، ترمُقه بتفجع وتذعن لصمته { والنملة أعْلم بما في بَيتها} هيَّ تتأذى من ماضيه السَّخيف، أكاذبة ..هذيَانه. تطاوُله ..ظلمُه، تعزف على أوتار مَجْهولة، تتفادَى الرسائل الخفيَّة المُوجعة التي تصلها، تحاول ما أمكن إيجاد الأعذار وتتلطف، تحتفظ بالدُّموع في مَحاجرها أوجاعا ولا تبوح، ترتشف أطلال الوحْدة، تحمل أوزاره على كتفيْها، تنعم بشقائه، تفترش ضفاف الصَّمْت، وتسال :هل نعود نتوسل الكلام ذاته لمن يخلف هذه النكرات ؟ نحن مازلنا ننظر إلى طمْي النهر الذي أفرغوه من كائناته، ونسأل بمَرارة: هل يُعيدون لأنهارنا وأوديتنا ومُدننا الحياة؟ هل مدينتنا ترفض المُهرِّجين ولا تتصالح معهم؟ أم هيَّ الكلمات لوحْدها تنتفض لتنهض من رمَادها وتتطهر؟ ما أحْوجنا إلى الكلمَات المُضيئة، والرجال المتسَامحين الأسويّاء.!