..لم أصدق عيني في البداية، إذ لم أخل يوما أن حظي المتجهم يمكن أن يبسط أساريره، ويكشف عن ابتسامة، لم أرها مرة على شفتيه المتخشبتين ! مسحتها مرة وثانية… ثم قرفصت، مادا يدي إلى ماتهيأ لي أنه حزمة أوراق مالية، جازما أنها لن تعود إلي سوى بحفنة من فراغ، أو حفنة من تراب الطريق المسحوق تحت الأقدام، في أحسن الأحوال ! لكنها قبضت حقا على حزمة أوراق مالية، رفعتها قرب عيني، وبي قلق من إمكانية أن ينطلي علي الحلم في واضحة اليقظة، الأمر الذي يؤشر إلى تٱكل الخيط الرفيع الفاصل بين الخيال والواقع ! أعدتها إلى مكانها كمن يرمي بجمرة عن كفه، ورحت، ذاهلا متوجسا حائرا، أستطلع المكان الكان خاليا من أي أحد. ثم عدت ومددت أصابعي المرتجفة ثانية إليها، وأذني مشدودة إلى إمكانية أن يرتفع صوت ما، في أي لحظة، صائحا بي: إرفع يدك..وحين لم يفرقع أي صوت في طبلة أذني، رحت أعدها، دون أن أستطيع الجزم أني حقا في حالة يقظة !كان المبلغ كبيرا، إلى حد أنه لايمكنني الحلم أبدا بجمعه، حتى لو أضيف إلى عمري عمر ٱخر بطوله، طول كان كجذع ضخم سامق علي تسلقه كل يوم، حيث تتضاعف خطورة السقوط كل يوم، وتنأى إمكانية الإمساك بغصن ٱمن وكل يوم أيضا ! إستعصى علي تصديق الأمر..إذ كيف لحظي، الذي مارأيت يوما بين شفتيه سوى أنياب حادة، أن يفيض أخيرا بابتسامة عريضة ؟ مستحيل..؟ إنها الإبتسامة التي تخفي خلف بريقها المخادع بريق سكين غادر ؟ يمكن أن يحدث الأمر لشخص ٱخر، أما معي..فمستحيل ؟ فأنا لم أخلق إلا ليستعير التجهم في وجه الحظ، سحنتي لمزيد من الدوام..والتجهم ؟ وإلا لِم نفق الكبش الذي كان معدا لعقيقتي، في الصباح الذي كان استهلالا ليوم عقيقتي، كما ظلوا يرددون على مسامعي ؟ لِم اختصم والداي حول إسمي، وسمياني كل بالإسم الذي اختاره لي، وظلا ينادياني كل باسمه الخاص ؟ بل، ومن تخمة تعاسة حظي، أنهما لم يتفقا على إسم واحد، من بين الإسمين اللذين سمياني بهما، بعد أن تمسك كل واحد منهما بالإسم الذي اختاره، حال وضعي في كناش الحالة المدنية، فكان لي إسم ثالث ؟ فهل سمعتم عن أحد بأسماء ثلاثة، عدا دزينة من الألقاب، بينما للحظ إسم واحد ؟ لهذا إزداد حظي تعاسة وتشتتا وشرودا، إلى حد إستحال علي معه تصديق إمكانية أن تصير تلك الحزمة المالية من نصيبي، وظلت يدي جامدة في مكانها، لاتستطيع مواصلة مسارها صوب الجيب، ولا إفلاتها لتعود إلى مكانها في الطريق الخالية. بينما إحتمالان، لاثالث لهما، كانا يسدان منافذ عقلي وروحي، عن مصدر تلك الحزمة، وأحلاهما مر : إذ يمكن أن تكون قد وقعت من تاجر مخدرات، وهو لابد سيعود باحثا عنها، وقد تقوده الطريق إلي، وهذا سيجلب لي متاعب أنا في غنى عنها، فالجميع كان يعلم أن ذاك الطريق مسلك يطرقه تجار المخدرات كثيرا. كما أنها يمكن ان تكون أموالا مزورة، لافائدة منها، وقد توصلني إلى السجن، الذي لاأطيق المرور بمحاذاته حتى ! لهذا كله إرتفع صبيب الخوف في نفسي، وشارف أن يصبح رعبا، فصرت ألتفت في كل الإتجاهات، وبي توقع أن تمتد يد ما، في أي لحظة، وتمسك برقبتي، وصارت الأوراق المالية في يدي أشبه بتذكرة صوب مصير مجهول ترصفه المخاطر.. وبت على يقين أن ابتسامة الحظ المتجهم تلك، ابتسامة خادعة تخفي طعنة غادرة، فألقيت بتلك الحزمة من يدي كمن يبعد تهمة عن ملمس يده البريء، وهرولت مغادرا المكان، بعد ان تركتها حيث وجدتها، وكل أمنياتي أن لايكون أحد ما قد رٱني..!

أضف تعليقاً