بعد أن تثاءبتُ مرات، ودرت في ساحة الدار دورات، رفعت عيني الى السماء، حيث كانت الشمس تصعد درج الصباح بكل تؤدة، ثم ألقيت بها على الأرض، حيث كان يتدحرج أمامي منحدر يصب في وادي تحاذي مجراه طريق تنتهي دائما عند تخوم النهر الذي يتوجب اجتيازه قبل الجلوس على كرسي المقهى، ومن حسن حظي أن توالي سنوات الشح في الامطار جعل حصباء الوادي تنمو على وجهه كشيْب كثيف فأثقلته الشيخوخة وأصبح بالكاد يجري فيه ماء الحياة، لهذا كانت الطريق الى المقهى سالكة أمامي دوما، وكنت في الغالب أذهب صباح مساء، ولا أعود الى الدار إلا للأكل والنوم، إذ لامكان بدلا عنها، غير الخلاء وأنا أخشى الخلاء حيث تداهمني عزلة لاأطيقها، أما الدار فخلاء ٱخر، خلاء تسيجه الأسوار وتختمه الباب، فيه تنفخ ريحُ عزلةٍ أخرى، حيث العائلة أرخبيل وأفرادها جزر لاتجمعهم غير مائدة الاكل والأسوار وعلاقات القرابة التي هي أسوار أيضا، حيث يصيب القربَ الركودُ فتنشأ بِرَك للبعد وامتداد المسافات، التي لاتقاس بالأمتار، لأنها بين كائنات متجاورة، بل متلاصقة ! لهذا لاأطيق البقاء في الدار، مغلقا عليَّ باب غرفتي غاطسا في الهاتف والدخان أو في النوم، وحين نجتمع حول المائدة أكون أول الشابعين والمغادرين، أما إذا حدث وامتد بيننا خيط الكلام، فإنا كثيرا مانضيع رأسه، فنترك خرقة الحديث ممزقة، لنتبادل الإتهام حول من أسقط الإبرة في كومة القش، إذ القول ألفاظ من تبن تندفع من أفواه تنفتح كما تنفتح ماكينات الدرس، لكن لاحب ثمة ! لهذا أسلمت نفسي للمقهى كما أسلم رأسي للبداهة، حيث للصباح طعم ٱخر، غير طعم الفراغ في تثاؤب جسدٍ به فائض نوم، ففيها بشر ٱخرون يملأون صباحاتهم الفارغة من بعضهم البعض، كما يملأ صاحبها جيوبه منهم أجمعين، لكن لاحيلة مادام دخل جيب من خِراج ٱخر ! لهذا ذهبت باندفاع الهارب، وفي خيالي صور من معارك ظافرة، خضتها على طاولات الورق، حيث يمكن أن أربح أكثر من ثمن كأس القهوة، فلا أمد يدي الى جيبي، إذ يتكفل بهذا الجيب المهزوم، لأنه حق المنتصر؛ فخوض معارك الورق على طاولات المقهى، أفضل من ملاحقة الشمس بعيون يثقلها فراغ صباح للتثاؤب ! ولأن الوقت كان مبكرا بعد، لم يجمتع نصاب إنعقاد طاولة اللعب، فطلبت قهوة، وانحشرت في مجموعة كانت منهمكة في إغاضة شخص شبه مجنون،إعتدنا على إستثارته حد إغذاقنا بأقذع الشتائم، التي تتحول الى مصدر للإستمتاع والتسلية والغرق في الضحك، فترتخي أعصابنا فيم تنشد وتتوتر أعصابه، ويمضي الوقت الفارغ دون أن نحس به، لأن الإحساس به ثقيل على النفس. لهذا إندفعت بدوري في لعبة إغاظته، بل وأردت هزم الٱخرين في مضمارها أيضا، فطغى صوتي عليهم، وجعلته يغلي أكثر، لأنه كان يكرهني ، وأنا كنت على يقين من هذا، فكنت أمعن في اللعب بأعصابه، مدام يكتفي بالشتائم وحتى وإن لوح بالحجر، في ذروة الغضب، فلن يجرؤ على إفلاته، لأنه لو كان قد فعل لما تجرأ عليه أحد بعد بالكلام الذي يغيضه، فكان يمطرنا بأقذع الشتائم، وكنا نشتم أنفسنا عبره، ونضحك ! لكن شخصا غريبا عن البلدة، يزور أصهاره هنا بين مرة وأخرى، كان يجلس على مقربة منا، ظل ينظر إلينا متململا في عدم الإرتياح، حتى نفذ صبره، فثار في وجوهنا موبخا:
– تبا لكم، من أعطاكم الحق في جعله أضحوكتكم، لتستمتعوا بحرق أعصابه !؟
ثم تنفس بعمق وصوت مسموع قبل ان يضيف في تحد واحتقار:
– من المريض الٱن: أنتم أم هو !؟ ومن العاقل فيكم !؟
ولأن الٱخرين أطرقوا برؤوسهم، أردت أن ألعب دور البطل، فتصديت له، وصحت به:
– وأنت مادخلك !؟
فاشتعل أكثر ورد علي بوثوق أرسخ فيم سبابته موجهة صوبي:
– أنت المريض، أنت المختل !
فرددت عليه:
– أنت المريض…!
– ألا تخجل من نفسك !؟
– وأنت مادخلك !؟
– حقا أنت مريض !
– أنت المريض !
فكادت الأمور أن تذهب الى مالاتحمد عقباه، لولا تدخل أشخاص كانوا قريبين منا، قبل أن نشتبك بالأيادي في معركة حقيقية، ماكنت موقنا من الخروج منها ظافرا ! حمدت الله على ذلك، بعد أن هدأت الأمور، ونهضت متوجها الى داخل المقهى، بعد أن لمحت نظرة في عين ذلك المجنون تقول لي:
– حقا أنتم مرضى !
إنزويت الى طاولة فارغة، وأشعلت سجارة أخرى، وخلدت الى الصمت. فطفت على سطح ذاكرتي ذكرى بعيدة، رأيت في إطارها صورة لأمي وجارتنا التي هاجرت هي وزوجها منذ سنوات، مجتمعتان حول طاولة عليها قمح يمررنه بين أصابعهن حبة حبة لتنقيته من الشوائب إعدادا للطحن،، ومنهمكتان في حديث ساخن لايتوقف، دون أن يتركا لي فرصة مشاركتهما فيه، ولا في تنقية القمح واللعب بحبوبه، فكانتا تنهراني كلما فعلتُ:
– ليس شغلك !
وجعلتا شغلي في هش الدجاج الذي يجذبه حبوب القمح، في ساحة الدار حيث كانتا تجلسان. ولأنهما كانتا تردان علي:
– أسكت أنت صغير!
كلما شاركتهما الحديث، خطر لي أن أستثير الديك الرومي، كي يطغى صوته فلايسمعان بعضهما البعض، فصرت أصيح وهو يجيبني:
– قاو قاو قاو..
فأعيد الكرة، ويكرر بدروه:
– قاو قاو قاو..
ثم:
– قاو قاو قاو..
الى أن استثرت غيض أمي، فنهضتْ لتمسك بي، وهربت، لكني تعثرت وسقطت فاصطدم فمي بالارض وتكسرت إحدى أسناني وتمزقت شفتي ! تحسست شفتي، بعد أن نفثت الدخان، لقد الْتأمَ الجرح، لكن مزقة ظلت في الذاكرة، هي النصف الضائع من السن المكسورة !