ربطت حذائي بإحكام، وضعت حقيبتي على ركبتي، وجلست قبالة النافذة أراقب بقلق وإستعجال تبرعم خيوط الضوء الأولى من رحم الظلام، وأنتظر وقوف الصباح على قدميه بعد خطوات حبوه الأولى، حتى ينهض هذا الذي ثبت أنه أبي ويغسل وجهه لأمسحه ببصقة العمر ثم أرحل إلى الأبد! ياليته لم يكن أبي حقا، ياليت التحليلات أثبتت فعلا أنه ليس أبي البيولوجي. لكن العكس ماحصل، بعد أن أصر على إجراء التحليلات، وأخذني مع أمي إلى المختبر الخاص بذلك، لما قلب حياتنا جحيما، وصار يفتعل أي ذريعة للطعن في شرف أمي، خصوصا بعد أن أيقن أني لن أسير على حذوه، ولن أكون نسخة محدثة عنه، إذ أصررت، بمؤازرة أمي، على إكمال تعليمي الجامعي، حيث تفتحت موهبتي الشعرية وإتسع صدري لمعاناة بسطاء الناس بينما نما العداء في نفسي لأمثال أبي الذي أراد إلحاقي باكرا بإحدى شركاته، فكان يقول بسخرية محتدة:
-لاينقص بيتي سوى شويعر يتغزل بمؤخرة القوافي! فأنا لايغريني جمال الوردة ولاأستطيب عبيرها، بل الأجمل والأزكى أن أعتصر الوردة وأقطر ماءها في قارورة عطر باهضة! إن دواوين الأرض كلها لاتساوي حفيف ورقة مالية واحدة بين أصبعيَّ الرقيقين! أكره الشعراء والأدباء ومعشر الحمقى الذين يحيكون شباكا من كلام ليصطادوا الرؤوس اللقيطة مثلك. وأحب المال، نعم أتغزل به كأي حبيبة، المال الذي يستطيع شراء حتى معشر الحمقى أولئك لوشاء! لهذا لاأقبل قطعا أن يخرج شويعر، وشويعر يهجو المال الحبيب، من صلبي.. مستحيل أن يكون من صلبي.. إنه لقيط، لقيط، لقيط.. ياعاهرة!!
وهكذا صار يندفع في موجات صراخ هستيري، إلى أن أرغمنا على إجراء التحليلات، حيث كانت الطامة الكبرى، وثبت أني، الشويعر الأحمق الذي لايصلح لشيء سوى التمايل مع مؤخرات القوافي، من صلبه، وهذا عكس ماتمنينا لاأنا ولاهو. بل وأكثر من هذا، حيث كانت الصدمة الإرتجاجية التي لاإلتئام لصدوعها، إذ ثبت، وبالتحليل العلمي المختبري، وعكس كل ماهو طبيعي وواقعي وبديهي ومتوقع، أن أمي ليست أمي، وأني لم أخرج من رحمها، وإن كنت قد فتحت عيني إنفتاحتها البكر عليها كما فتحت هي عينها، عقب العملية الجراحية التي أجريت لها أثناء ولادتي، علي وأنا وليد لم يذق قطرة الحليب الأولى بعد؟لهذا لم تتحمل المسكينة قوة الصدمة الغامضة وسقطتْ في غيبوبة كانت لم تستفق منها بعد، بينما طوحت بي نفس الصدمة إلى غيبوبة تركتني أترنح على قدمين تتدلى منهما جذور مقتلعة! لحظتها إنطفأ ضوء النهار من دنياي كشمعة في فم الريح، وإبتلعني الظلام حيث إختلطت كل الملامح في هلام ماكنت قادرا على تمييز أدنى علامة فيه حتى ولو وُضِعتْ حولي كل شموس الكون، وذابت الشعرة التي تفصل النوم عن اليقظة والكوابيس عن الواقع، وصرت لغزا بلاجذور يقف أمام مرآة ولايرى سوى لغز بلاجذور! ليلتها خيمت في ذاكرتي صورة أمي وهي ترد على أبي ذات مرة، محاولة تخفيض حدة غضبه، بعد أن مزق دفتر أشعاري وكتبي، قائلة بنبرة أقرب إلى التوسل:
-الله يهديك يارجل.. تذكر أنه جاء عكس توقعنا، وعكس توقع التحليلات الطبية، لما كنت حاملا به، إذ أبشرتنا أن المولود سيكون أنثى، لكنه لما إزداد كان، وياللمفاجأة، ذكرا! ألا تذكر كم كانت فرحتك غامرة يومها بعد أن انتظرنا طويلا مولودا ذكرا؟ فليس غريبا أن يختار مسارا لنفسه عكس توقعنا وتوقعك منه!
لكنه كان يصرخ كالمجنون:
– هراء هراء هراء.. مستحيل أن يكون إبني، مستحيل أن يخرج من صلبي مسخ شويعر يهجو المال وأسياده!
فكان صراخه يرتفع في ذاكرتي ويحمل كريح مجنونة صورة أمي عاليا، ويعود لأسمعه كأنه ينطلق من لساني، لكن قائلا هذه المرة: مستحيل أن يكون أبي، مستحيل أن أخرج من صلب مسخ مالي في هيئة بشر! لكن الأمر كان قد قضي، وكنت قد صرت اللغز الذي عليه أن يحمل إنغلاقه حتى القبر دون أمل في إنتزاع السدادة وإنكشاف الطلاسم! ورغم أن ذاكرتي لم تنس ليلتها وشوشته لأحدى جاراتنا الجميلات، والأقرب إلى قلب التي كانت أمي، بعد أن إنفرد بها لهنيهة، إذ سمعته يقول لها بحدة ونفاذ صبر:
– إنه ليس إبني قطعا..إنه إبنها.. لابد من إجراء التحليلات!
بينما ردت هي بوشوشة محاذرة:
– ألا تثق بي!؟
فلم أستوعب شيئا، ولم أسمع أكثر من ذلك، بعد أن انسحبت مسرعا متسللا على رؤوس أصابعي كي لايضبطاني متلبسا بالتلصص فيثور جنونه أكثر! لم أفهم حينها لم يتحدث في أمر يخصه هو وأمي مع جارتنا تلك؟كما لم أفهم لم يريد أن يثبت بداهةَ أني إبن أمي فعلا وليس إبنه؟ ولم أفهم أيضا لم وشوشت جارتنا تلك متسائلة عن ثقة أبي فيها؟ لكني، ورغم كل هذا، لم أهتم عميقا وطويلا بالأمر، إذ لم يعد يعنيني أن أكون إبنه، بل وصرت أشعر أن أبوته لاتشرفني بالمرة، مادامت أمي أمامي حقيقة وواقعا وبداهة! لكن الليلة تلك عصفت بكل شيء، فصارت كل الأجوبة الممكنة أشبه بقنافذ لايمكن أن تضع يدك على أحدها إلا ووخزتك أشواك أسئلة أحدّ؟ ورغم أني أصبحت تلك الليلة على قناعة بأن عملية إستبدال تمت في مستشفى الولادة، لحظة كانت تلك المرأة التي حسبتها أمي البيولوجية في غيبوبة العملية الجراحية، إن كان ثمة عملية جراحية وليس مجرد تخدير فحسب، فأُخذت البنت التي كان متوقعا إزديادها بحسب التحليلات الطبية، ووُضِعت أنا مكانها، ولم أشك لوهلة أن أبي كان يملك من النفوذ مايتيح له أكثر من ذلك لو شاء. كما إقتنعت بخيانة أبي التي رتبتْ لي أما جديدة، شرعية، غير التي قذفتني من رحمها؟ لكني كنت قد أضعت للتو أمي الحقيقية وإلى الأبد.. هل كانت جارتنا الجميلة تلك هي أمي؟ هل كانت مجرد وسيط شارك في سحب البنت ووضع ولد مكانها لحظة الغيبوبة؟ هل تعرف تلك الجارة أمي الحقيقية؟ كانت أسئلة بلاأجوبة، أسئلةَ لغزٍ يجتر طلاسمه دون أن يستطيع إبتلاعها أو بصقها مرة وإلى الأبد! لهذا وضعت حقيبة لغزي على ظهري، بعد أن نهض أبي وغسل وجهه، وحاولت إستجماع أكبر بصقة في فمي، بصقة العمر، التي يمكن أن تلحق بوجهه صفعة العمر، ودون أن يستطيع رفع حتى رموشه هذه المرة!!