في إحدى ليالي الشتاء الباردة لوحت بالسوط على مسرح سيد درويش مهددا كل من خذلني وخانني في حياتي المعذبة، ضعفت إرادتي، جثوت على ركبتي منتحبا، حدثت الجمهور بصوت متهدج.
– فقدت أمي صغيرا، لم أعد أتذكر ملامحها، لكني لن أنسى
وجه زوجة أبي، جعلتني ملتصقا بجدار حجرتي، أذوب بداخله متجنبا بطشها ولسانها السليط.
وقفت على قدماي ضاربا بالسوط في الهواء عدة مرات صدرت عنه فرقعة، تتقشعر له الأبدان، ألقيته.
ابتعدت عدة خطوات يأسا ثم عودت مهزوما، أمسكته بيدي المرتجفة، لففته حول عنقي ماسحا بكف يدي العرق المتفصد من جبهتي، شهقت شهقة، فضحتني علامات العجز التى حاولت إخفاءها، تماسكت قليلا، أوجه كلمات ملتاعة للجمهور .
– قذفني أبي في الملجأ، حيث الرغبة في الهروب من الأيام، مع ذلك أستطعت أن أكون نجمكم الذي لن ينطفئ أبدا.
ألتقط أنفاسا متقطعة بصعوبة، دارت عيني في كل اتجاه،
برموش مضطربة أبصر رجلا عجوزا أشهب شعر الرأس واللحية، يرتدي حلية مهترئة ، يخرج من بين صفوف الجمهور، يصعد خشبة المسرح ، يضع يده على كتفي وتبدو في عينه دمعه.
قائلا برفق : ارفق بنفسك.
انفجر وجهي غاضبا، أمسكت السوط الملتف حول عنقي بكلتا يدي.
– سأنتقم، سأذقهم طعم الجراح
يكرر
-ارفق بنفسك
يضع راحة يده على كتفي قائلا:
– لن تستطيع الإنتقام من ذبابة خارج أسوار المسرح،
لوكنت فاعلا ما فكرت بالإنتحار.
صدمت ..ابتلعت لساني .. ترنحت كالطير المسفوح دمائه، تلفظت بألفاظ مبهمة …
استمر العجوز قائلا :
– أنت قط في لباس نمر، هذه حقيقتك لا تفر منها.
أهرب من أمامه بين جانبات المسرح.
قائلا له: ابتعد عني.. ابتعد عني
يعود العجوز لصفوف الجماهير تبدو على وجهه علامات التأثر، وقفت مخبأ عبراتي بين كفي، مرت من خلفي صور من الماضي مشوة.
لامرأة شقراء وكأس أحمر، لمولود ينزع من أحضان أبيه،
لطائرة تقلع ولا تعود.
نظرت لسقف المسرح، انطلقت من جوفي الآهات كالبركان.
نزلت ستارة المسرح، وسط تصفيق متواصل يأتيني صوت المخرج من وراء الكواليس محتقنا.
– صديقي ستظل بلا أنياب.
سرت في جسدي رعدة وبرودة ممزوجتين بالمرارة والأسى، قذفت بالسوط خلفي، فررت قبل أن تفتح الستارة لتحية الجماهير، بأصابع مرتعشة تحسست موضع الجلد من ظهري.

أضف تعليقاً