للكاتب فلاح العيساوي

نص القصة على مجلة قصيرة من هنا

القراءة النقدية:
تتميز أعمال فلاح العيساوي بالأسلوب السهل المباشر الذي يميط اللثام عن الكاتب الحديث، وكما توجد كتابة حديثة في كافة النصوص الأدبية أيضا يوجد كتاب حدثيين في التناول والأسلوب، وهذا الأسلوب يدخل في وسط الحكاية ينقل المشاهد والأحداث ويصف الأجواء وحالات الشخوص وأوصافهم اللازمة، وهذا الأسلوب ليس جديدا في شكله، فلقد رأيناه في أسلوب كتاب عالميين مثل انطون تشيكوف وفيكتور هوجو وسومارست موم، وإن أخفق الأخير بعض الشيء في تكنيك القصة القصيرة ذات الحبكة المترابطة الهادفة، أما الحداثة في الكتابة بنفس هذا الأسلوب الذي يعد تقليديا شكلا ولكنه جديد في التناول، يتوافق مع موضوعات الحالة ونقل واقع عدد من الناس أو فئة أو أسرة، وأيضا شخص، مثل نقل بكاميرة تصوير صامت متلصص، ولكن هذه الكاميرة تفلح في الدخول بفلاشاتها المضيئة إلى النفوس وأفكارها، وكثيرا من النقاد يجدونه تقليديا كلاسيكيا منفرا، وقد يبدو في الوهلة الأولى أنه ينقل ويصور كل شيء مع الزيادة، ولكن هناك كتاب حداثيين في إجادة تامة لعملية مونتاج الفيلم الذي صور وتبلور في فكر الكاتب، لينقله لنا كما التقرير الاخباري الذي غاب عنه المعلق فقط صوت الحدث المفيد اللازم وصوت الشخوص المتفاعلة، وفي نص: عطف الموتى نجد الكاتب يكتب بأسلوب الناقل الأمين المخبر الصحفي الذي استطاع أن يجتاز الحدود في مهمة قتالية، بمهارته الخارقة يكشف من خلال الأصوات المتفاعلة ما يسكن النفوس من ألم ووجع، وكثيرا ما قرأت لفلاح العيساوي قصصه القصيرة بأسلوبه المتميز هذا، الذي تتخلى جمله عن دلال الأنثى البلاغي، ولا تفتن المتلقيين بشكلها وإيقاعها على أرض النص، بتضاريسها البارزة لتثير لعاب جوع المراهقين بألفاظها البضة الطرية، ولكنه يضعه في بؤرة الموضوع وبؤرة شخصية النص من ناحية المضمون..
قصة النص وسؤالها المطروح:
هل بات كل ما يحدث من أحداث في الواقع العربي المؤلم له أثره الكبير على الشعوب، وباتت بعض الأسر تحلم بأول أمل ملح يلح عليها في اللحظة الآنية ولا تفكر في غيره حتى سد الجوع بالحلم؟.
هل الجوع وملء البطون أصبح حلما ليوم في الساحة العربية الآن في معظم الشعوب العربية نتيجة للتقاتل والحروب ومحاربة فئات الشعب نفسه بعضها لبعض؟
هل المواطن العربي الآن لا يحق له أن يحلم بأكثر من سد حاجة جوعه بعكس المقارنة لبقية شعوب العالم من حوله؟
فعلا أنها لطامة كبرى ما نعيشه من واقع مؤلم..
لم يكتب الكاتب نصا ليحكي فيه عن مأساة أم وحيدة بدون عائل تشردت هي وأولادها، وهم يموتون جوعا أمام أعينها، ولكنه يكتب عن تشريد أمة تمثل كل الأمم العربية..
كان إسقاطا رامزا واعيا دالا من الكاتب، الذي تكلم عن نموذج تعيشه معظم الدول العربية بأغلبية أسرها..
لقد جاء النص محزنا مؤلما استطاع أن يجعل شعري يقف عندما كنت أتابع نشرة الأخبار لتشريد الأسر السورية وبعض المناطق في العراق ومثله في تونس ومصر وأغلبية الأوطان العربية، إذا بي يقفز نص عطف الموتى في رأسي ويقذفني تحت قدميه لأعيد قرأته بهذه العين.
وبداية من عنوان النص نجد أن العنوان يمثل تلغراف الإغاثة الأخير لمن يصيبهم الدمار كل لحظة في أتون الصراع الدائر والحرب الضروس لاستجلاب عطف الموتى، وبالله أني لأرى الموتى هنا، هم كل العالم الذي يشاهد الأحداث ويرى ما يحدث من حوله لمعظم الدول العربية ولا يحرك لهم ساكن، حتى باتت كل الشعوب والأسر العربية تستجلب عطفهم كما السائل السخيف الذي يطلب طلبه بإلحاح من غني جاحد له دوره الأول في فقره وحاجته..
وفي مدخل على النص من الناحية التكنيكية، كان نصا فائزا من ضمن نصوص الكاتب بجائزة المتعة والإجادة، وإن جاء أسلوبه مباشرا، وجمله تفتقد للرقة واللطافة البلاغية، ولتمعن في الرمز والإسقاط، وهنا نقول أن من حداثة الكتابة القصصية الأسلوب المباشر العادي التقليدي في شكله ليدل دلالة قاطعة على أنه يحكي بعمق، أي أنه يأخذ نموذجا لنمطه ونأوله على رقعة أكبر من كلماته وسطوره لنستقرئ ما بين السطور والحكاية والحدث، ونستصرخ أصوات شخوصه المكتومة المحبوسة في النفس، إنه نوع من المشاركة للمتلقي الباحث الذي يترجم ما حوله للمعرفة، إنه غزل مبدع لثياب أنيق وعلينا إيجاد لابسه في الأحداث من حولنا لنبسه إيّاه لتتضح الصورة ويزداد الملمح..
الإسقاط والرمز في النص:
بداية من العنوان “عطف الموتى” فنجد المبالغة الواعية التي تجعل المتلقي على بوابة النص يسأل نفسه سؤالا مهما كيف نستجلب عطف الموتى؟ وهل يمكن لعاقل أن يستجلب عطف ميت؟ وبالتالي يضع في مخيلته عند ولوجه للنص أنه في صدد لغز رمز لابد له أن يفككه، أو أن يبحث على مَنْ المقصود الذي يحكي عنه النص؛ فكان عنوانا رمزا مفيدا..
ثم نأتي للحدث الرئيسي امرأة في حيرة من أمرها وهي قلبها يتفطر ألما على أكبادها الصغار الذين يقطعهم الجوع، وليس لها أي حيلة، ولا قدمت الصورة لنا حلا لمشكلة مطروحة، أو حلا واقعيا يصلح تنفيذه على أرض الواقع..
هل بهذا أصبحت قصة لها أهميتها؟ ولا هو مشهد مختصر مختزل كما الومضة لقصة أكبر تحكي وتتلى كل لحظة على مسامعنا وعلى مرمي أعيننا؟ هذا هو، إن النص نقل نموذجا مختصرا لما يحدث حولنا وعلينا التفكر والتأمل فيه بعين الكاتب، كي يجعلنا نسأل أنفسنا، ماذا علينا أن نفعل تجاه ما يحدث فينا وحولنا؟ وعلينا أن نعي إن لم يصيبنا الدور فهو آت لا محال إن بقينا بهذا الفكر وهذه القلوب الميتة..
ثم يأتي دور الحل الذي أعده بارعا وخير لحظة تنوير وختام لنص كتب بهذا الأسلوب الذي أراه صعبا أن ينتج قصة كاملة الحبكة بكيفية سرده على هذا النحو، وهو حلم مجرد حلم، حلم رامز يعد خياليا وليس يمت للواقع بشيء، ليدل في معناه على صعوبة إجاد حل منتظر من المتصارعين والمتحاربين وكافة جميع المشاهدين من حول الأم البائسة..
وفي معيار آخر يدل على اختصار الحياة وموتها بالكامل لتلك الأم وأولادها الصغار، بأنهم ليس لهم الحق في حلم آخر يدل على الحياة والتنعم فيها، ويدل على عدم وجود أمل في بناء أمة ذات رفعة، وتطورها من خلال أم تعمل وتجد وتكدح وأولاد يزرعون ويفلحون ويطببون ويخترعون ويترفهون.. حلم قبل الموت بلحظات..
تحية لكاتب النص فلاح العيساوي..
وتمنياتنا له بالتوفيق والنجاح.

أضف تعليقاً