بقلم خلدون الدالي

نص القصة على مجلة قصيرة من هنا

القراءة

عند قراءتنا لأغلب التنظيرات و التقعيدات لفن القصة القصيرة جدا في أدبنا العربي المعاصر، نقرأ لدى الغالبية إشاراتِ تحذيرٍ و تنبيه على الدوام من أن يتحول النص القصصي إلى مشروع خاطرة أو قصيدة نثر أو شذرة أو انفعال، و يأتي هذا التنبيه خاصة عند اعتماد الكاتب لغةً تعتمد البلاغة بكل صورها، و قد وقع أغلبُنا بالفعل في هذا المطب الذي تمَّ التحذير منه، و ذلك حين انفلتتِ النصوص من أيادينا و خسرنا فيها روح السرد و القَص.
و لكنَّ القليل ممن أدركوا أسرار السرد و متعته و جماله من كتابنا المبدعين، أصبحوا يعرفون من أين و كيف تؤكل الكتف، و أدركوا أن العبرة في أي شرطٍ أو ركنٍ من شروط و أركان القصة القصيرة جدا هو أن يكون خادمًا للسرد لا العكس…و بذلك يكون كل ما يستخدمه الكاتب من تقنيات هي موضوعة لخدمة الفكرة و السرد، و ليس لإبهار العيون في مدى التقيد بتلك القواعد حرفيًّا، لأنَّ الأدب الحقيقي يعتمد الإبداع القائم على كسر جميع الأفق، إن كان على مستوى التلقي أو النقد أو الكتابة.
لذلك فإنَّ عنوان(انكسار) الذي اختاره الكاتب لنصه بالفعل يعبِّرُ خيرَ تعبير عما نعيش في بلادنا التي تنهشها الحربُ الدنيئة.
نعم هو انكسارُ النفوس…انكسارُ القلوب…انكسارُ الحبِّ…انكسارُ الطفولة…انكسارُ كلُّ الأشياءِ الجميلة في أوطانِ الطيبة و العطفِ و الياسمين…
نعم هو انكسارُ التعايشِ و التعاطف…
و لو بحثنا في كلِّ أوراقِ مآسينا التي نعيشها سنجدُ الانكسار حاضرًا في كلِّ تفصيل.
هذا الانكسارُ الذي يشكل رحمًا خصبة للإبداع، فمن كلِّ ألمٍ تولدُ قصة، و من كلِّ وجعٍ تبعثُ قصيدة أو خاطرة أو رواية…
و هنا في نصِّنا الذي نقرأُ، يأتي العنوان انكسار فاتحًا لنا ذراعيّ القَص، لنتساءل و نبحث عن حالة الانكسار التي سنعاينها ها هنا لنرى كم سيكون ذلك العنوان خازنًا للنص و معبِّرًا عنه.
يبدأ الكاتبُ نصه بعبارةٍ شعرية(أَسْمَعُ الصَّدَى، كَأَنَّهُ الْعَوِيلُ.) تتماهى مع عاطفةِ الانكسار في العنوان، و هذه هي حالنا عندما يداهمنا الألم، نصمتُ و ننصتُ حتى تصبحُ الأصواتُ في آذاننا صدىً لآلام الآخرين، و في الحقيقة ما هو إلا صدى الألم الساكن فينا…صدىً تتردَّدُ فيه صرخاتٌ و بكاءٌ و نحيبٌ…و كيفَ لإنسانٍ من دمٍ و لحمٍ أن يُصِمَّ أذنيهِ عن هذا العويل؟!
إنَّه العويلُ الذي يستفزُّ مشاعرنا فيجعلنا نفتحُ النوافذ رغم الخطرِ و الخوفِ…و لكن يا للهول! نعم هناكَ و هنا في الشوراعِ ينتشرُ الصياحُ و الاستغاثاتُ حيث انتشرتْ جثثُ القتلى المتفحمة أجسادًا تنبعثُ منها روائحُ الموتِ و الحقدِ و الدَّمار، هذهِ الطرقاتُ باتت ملأى بتلك الجثث…جثثٌ فقدتْ أنفاسَها و نبضَها، سوداءُ لم تعدْ تعرف هويتها، و جثثٌ أخرى تمشي متنفسةً هواءً فاسدًا و نافثةً هواءً أفسدَ و أبشع…فكلمة متفحمة التي توحي لنا بأشياءَ طالتَها النارُ فترةً طويلةً حتى أخفت كلَّ معالمِها، تشي بشيءٍ أعمق من معناها الظاهري…هناكَ جثثٌ أخرى تفحمت قلوبُها و أخلاقُها و مشاعرُها حتى أصبحت أيضًا فاقدةً معنى انتمائِها وجنسيَّتِها…فهنا تأتي كلمة متفحمة برمزيَّةٍ أخرى لتدلَّ على حقدٍ دفين، فاستخدامُ النِّيرانِ إلى درجةِ الحصولِ على جثثٍ متفحمة توحي بكمِّ الفتنةِ و الحقدِ و الضَّغينةِ و الكره، و ما هذا إلا تفحمٌ في النفوسِ و الأخلاقِ و الضمائرِ و الدِّينِ و الإنسانية.
المنظرُ مهول و لا يصدَّق، لذلك فإنَّ الشَّك يراودُنا حول بشاعة و قسوة ما نراه فنحتاجُ أن ننبِّه كل طاقاتِ البصرِ لدينا لنتحققَ من صدق و حقيقةِ ما نرى…نعم هل صحيحٌ أن كلَّ تلك الجثث هي لأبناءِ بلدي؟! هل هي لجيراني و أصدقائي و رفاقي؟ ألا يمكن أن يكون بينها جثثٌ لأمي أو أبي أو أخوتي؟! لذلك عليَّ أن أنظر و أحملق و أفرك عينيَّ عديد المرات لأتفحص في نارٍ بدأتْ تأكل الجميع.
نعم من جثثٍ متفحمة و من بيوتٍ مدمَّرة و شوراعَ تحترق حدَّ الثمالة تنبعث تلك الأعمدةُ السَّوداءُ من الدخان و اللهب لتعبر عن حجم الكارثة و باستعارةٍ مكنية رائعة نرى اللهب يبكي و هو يسمع نعيق الغربان(ذلك الرمز الدائم على الخراب و الدمار و الموت)…لتقفَ على البعد ذئابٌ بشرية تستمرئُ القتل و تعشقُ الدمَ و تفتخرُ و تشمخ لأنَّها تنتصبُ فوقَ جثثِ الموتى و بقايا الخراب…ها هم المجرمون يسعدون بجرائمهم لدرجة التدلل و الميعة و هذه عبارةٌ ذكية يصف من خلالها الكاتب مدى السعادة التي تشعر بها تلك الذئاب البشرية و هي تلعقُ الدم و تشتم رائحته فتسكرُ و تنتشي به.
و لتكتمل صورةُ الجريمةِ و الحربِ القذرة، لا بدَّ هنا أن يظهر ذلك الذي أشعل الفتنة ليكون حاضرًا على كلِّ مشهدٍ من مشاهدِ الخراب التي خطَّطَ و دبَّرَ و كادَ لها…
[تقدَّمَ (سيَّدُ الزنزانة) نحوَ العرش المُبجَّل، مَحروساً بالأفاعي و الذئاب و التماسيح المعمَّمة بعماماتٍ سوداء، ليشهد عيد النحر السنوي..]
نعم…إنَّه سيدُ الزنزانة، و هنا نعودُ لنقرأ بعدين متناقضين في كلمة أو عبارة واحدة، و هي (سيد الزنزانة) و قد يروق للمتلقي أن يتلقاها كيفما يشاء و يرى…نعم هو سيد الزنزانة في رمزين:
الأول يرمز إلى استخدام هذا الملك..هذا الأمير..هذا الحاكم..إرهابَ الأفراد باعتقالهم و زجهم في السجون و تعذيبهم كوسيلة للحفاظ على عرشه المبجل.
الثاني قد نراه بعدسةٍ أخرى…أنَّ هذا الحاكم هو أسيرُ زنزانةِ الملك…لا يكاد يغادرها و لا يرى البشر إلا من خلال نوافذها الضيقة، و قد أطبقت على كل ضميرٍ و خلقٍ كريمٍ لديه فأحالته فسادًا و قذارة.
و لا بدَّ لكل سيد من فريقٍ يرعاه و يحميه، لا بدَّ لكل ظالمٍ من أجنادَ يقدسون حياته مقابل حياة الآخرين..أولئك هم القتلة المأجورون إن جاز التعبير…لذلك نرى الكاتب يرمز إليهم بأخبث الحيواناتِ و أكثرها فتكًا و مكرًا و حقدًا(الأفاعي..الذئاب…التماسيح)…تلكم هي الأجناد التي ارتدت عماماتٍ سوداءَ متخذةً الدين ذريعةً و جسرًا يعبرون من خلاله إلى كلِّ أطماعِهم و أحلامهم الكبيرة في تدمير البلاد و قتل العباد لفرض سيطرتهم و تعضيد ملكهم غير مكترثين بحياة الآخرين و لا بانتمائهم لأرضٍ أو وطن…هم يتقدمون و مليكهم ليستمروا في معاينة و مشاهدة حفل النحر…لكنه ليس نحرًا للأضحيات من الخراف و الإبل و البقر تكريمًا و خضوعًا لشريعة سماوية، بل هو احتفالهم الأكبر و الأهم بنحر و قتل و تغييب كل من يخالفهم الرأي و يتمرد على سلطتهم و نفوذهم…إنهم ينحرون البشر لإله من البشر يقدسونه أكثر من رب السماوات السبع و الأراضين السبع.
مشهدٌ في غايةِ القسوةِ و الخيبةِ، لا نستطيعُ و لا نملكُ أمامه، و بضعفِ حيلتنا و تشتت رأينا و فرقةِ أمرنا إلا أن نغلق دونه الأبوابَ و النوافذ، خشية أن يصل هذا المشهدُ المريع أرضَ بيتنا و دارنا…لكن هيهات هيهاتَ للظلمِ أن يتوقف، إنه لا يترك أحدا، إنَّه يفاجئنا دومًا…يدخل علينا دونما استئذان، و ما نكادُ نغلق شبابيكنا درءًا للخطر و للحقد، حتى يفاجئُنا ذلك الظلمُ و تلك الفتنةُ و قد اخترقت كل الحواجز و نفذت إلينا في عقر دارنا لتذيقنا مرَّ العذاب بأيدي شبابٍ تمَّ تغييب عقولِهم، فأصبحوا يعتقدون القتل لعبةً، و الرَّصاص لهوًا، و الموتَ أضحوكةً، لذلك جاءَ وصفهم بالمهرجين رائعا و دقيقًا و في الوقتِ نفسِ واخزَا مؤلمًا.
لقد تقصَّدتُ أن أقرأ النص بصيغة الجمع و لم أسنده لبطل النص، لأننا بالفعل نحن جميعًا أبطال هذا النص، و داخلَ دائرته شئنا أم أبينا…
هكذا تكون النصوصُ صاحبةُ الرسالة، هي نصوصٌ جمعية، تتحدثُ بألسنتنا، و تتحرك بأرجلنا و ترى و تنظر بأعيننا و تنبضُ بقلوبنا.
لن يستطيع أيٌّ منا أن ينكر أن هذا النص يلامسه، بل يتحدث عنه في صورةٍ من الصور…و هل يكون الإبداع أكثر من هذا؟!.
نحنُ أمامَ نصٍّ زاخرٍ بلغةٍ فريدةٍ متوهجة…لغةٍ جمعت ما بين الشعر و النثر و السرد القصصي بكل حنكةٍ و اقتدار…
فلا نكاد نقرأ جملةً إلا و يحضر فيها رمزٌ أو تشبيهٌ أو كنايةٌ أو استعارة، و مع ذلك نجد النص لا ينفلتُ من يدِ الكاتب ليحافظَ بكل مهارةٍ على لغةِ القصة القصيرة جدا حاضرةً و مهيمنةً على كل انتفاضاتِ تلك اللغة الرائعة.
و لعلنا هنا على عجالة نذكر أهم تلك السمات البلاغية في النص:
1- العنوان: انكسار و دلالاته و انزياحاته التي تطرقنا إليها في المقدمة.
2- عتبة الاستهلال: أَسْمَعُ الصَّدَى، كَأَنَّهُ الْعَوِيلُ…هنا يحضر التشبيه.
3- الشوارعُ على امتدادها، تَغصُّ بجثثٍ مُتفحَّمة….في كنايةٍ و إشارةٍ إلى حربٍ ضروس.
4- اللهبُ الأسودُ يُعانقُ السماء(استعارة مكنية + كناية عن شدة الحرائق و النيران)، يَنْتَحبُ مع نعيق الغربان(استعارةٌ مكنية أخرى رائعة + استخدام الرمز الغربان كرمز للموت و الخراب)، فيما الذئابُ تزهو(استعارة مكنية) بالعواءِ حدَّ الغنج(كنايةٌ عن الفرح بالدمار و القتل و الموت).
5- تقدَّمَ (سيَّدُ الزنزانة) (كناية) نحوَ العرش المُبجَّل، مَحروساً بالأفاعي و الذئاب و التماسيح(كناية) المعمَّمة بعماماتٍ سوداء(كناية)، ليشهد عيد النحر السنوي(رمز لعيد الأضحى المبارك لدى المسلمين+ كناية عن الأضحيات البشرية هنا)..
6- يُفَاجِئُني الْمُهرِّجِون بزخَّاتِ الكلاشينكوف(كناية)..
إذا في نصٍّ صغير الحجم يفاجئنا هذا الازدحام من الصور البلاغية الرائعة و التي جاءت خادمةً للنص و موظفة بشكل دقيق للتعبير عن أحداثه و تقديم رسالته، و قد جاءت عفويةً في غالبها غير مقصودةٍ لذاتها، لكنها ألبستِ النَّصَ رداءً بهيًّا…و استطاعت ببراعة أن تتجنب كلَّ المحاذير و المطبَّات التي يمكن أن ترافق استخدام الأساليب البلاغية في تقديم نصوص القصة القصيرة جدًّا…و دن أن تسبِّبَ أيَّ إرباك حول تجنيسِ النص كقصة قصيرة جدًّا بديعة.
أتمنى للأديب المبدع الأستاذ خلدون راسم هذا النص كلَّ التوفيق و المزيدَ المزيد من الإبداع إن شاء الله.

أضف تعليقاً