للقاص مصطفى علي عمار
نص القصة
زيتونة
زيتونة جلستْ بمفردها تحتَ غصنِ الزيتون حزينةً ، دَرْسُ اليُتْمِ صَعبٌ على ربيعها الخامس. خَيّمَ الليلُ، حملتْ وسادتها ومضتْ، في الصباح أيقظتها الشمسُ بجوار قبر والدها.
رابط القصة على مجلة قصيرة من هنا
كما قيل إن العنوان هو الدلالة الرئيسية على مضمون القصة وترابطه مع النص يجعل الأحداث فيها مترابطة بشكل طبيعي كمقدمة ونتيجة فهنا عنوان القصة تجعلك تنتبه لمراد القاص من رمزيته ودلالته على مضمون النص فيما بعد ….
وبعيداً عن اشكالية العنوان ورمزيته تطالعك القصةُ بإطارها العام وبفقراتها الخمس عبرَ بوابة الفعل الماضي واستمرارية تجدده في زمن مخصوص لتعطيك أبعاداً كثيرة ومعانياً ظاهرها له خطٌ واضحٌ ورمزيتها تشيرُ إلى معنىً آخر بخلاف المعنى الظاهري المستفاد من سياقية النص ودلالته. المعنى المتبادر الى الذهن دون الخوض في اشكالية الرمز وأبعاده الكثيرة …. عن فتاة في الخامس من ربيعها تجلسُ منفردة عليها انكسارية الذل ووحشة الغربة تحت غصن زيتونة لأنها أولا حزينة وربما لاستعادة ذكريات جميلة كلّ ذلك لأنها لمْ تستوعب درسَ اليتم الذي فاجأها وهي في عمر مبكر ربما لأن خبرتها في الحياة قليلة وتجاربها تكاد ان تكون في خانة العدم ثمّ يشدها الحنين تحت وطأة الليل الحزين لتذهب إلى جوار قبر أبيها الذي فقدته لتمضي بجوار قبره الليل قبل ان يغلبها النعاس لتوقضها الشمسُ في نهار جديد.
اشكالية الرمز وإيقاع الأحداث المتسارعة تفصح لك عن المضمون المستنبط وراء كلمات القصة :
فابتداءاً من رمزية العنوان تعرفُ سبب اختيار القاص مفردة الزيتونة دون غيرها ففي تقديري القاص يشير في مفردة الزيتونة إلى رمزية الوطن المحتل وجغرافيته ألا وهو فلسطين هذا من حيث دلالة الرمز على صاحبه وبعد ذلك نعرف سرّ اختيار الزيتونة من بين الأشجار . القاص هنا اعتبرها رمزا للصبر والصمود فصبر الزيتونة أما تحديات المناخ وتقلباته يجعلها شجرة أهم ميزاتها :الصبر والمطاولة كذلك الشعب الفلسطيني الذي تحتضن أراضيه هذه الشجرة فهو شعب يمتاز بالصبر والمطاولة والتحمل كرمزية أشجاره واعتماده الزيتونة رمزاً قومياً لجهاده وصبر أبنائه.
رمزية الجلوس تحت الشجرة هو عنوان آخر للتحدي ورفض الاستسلام رغم صغر السن وإشكالية اليتم، فالفتاة رغم صغر سنها إلا إنها رفضت الاستسلام والخنوع ومضت تنشد المقاومة وذلك من خلال رمز الشجرة المباركة كما قلت والتي تعني الصبر والصمود ومقاومة المحتل.
رمزية الليل : هو الاحتلال الظالم والربط بين رمزية الليل والاحتلال واضح وهو الظلام الناتج عن استمرارية الاحتلال وإفرازاته المقيتة …. لم تستسلم بطلة مصطفى علي عمار بل حملت وسادتها وعادة ما يكون السلاح هو وسادة المقاتل في سوح الوغى فلا شيء غير السلاح بصلح أن يكون وسادة للأحرار لكلي يمضوا في طريق الجهاد .
رمز الصباح هو فجر جديد وبزوغ ليوم مشرق تزهر فيه الحرية عبر بوابة الشمس رمز التغيير والأمل والانطلاق نحو المجد…. كلّ ذلك الاصرار والعزيمة يستمده الأحياء من نور الشهداء فكان أبوها الشهيد الذي جعلت قبره مركز انطلاق معنوي نحو المقومة وليس ضروريا أن يكون القبر ظاهريا بل المراد منه القبر المعنوي والمكان السامي في قلوب المقاومين …القاص مصطفى جعل من بطلته رغم صغر سنها رمزاً للمقاومة تنهض وتتوسد الصبر والسلاح لتمضي في طريق الشمس عبر بوابة العنوان (الزيتونة)
في النهاية أقول تبين لنا المعنى المستبطن في كلمات القصة وكذلك افصاح الرموز المحببة فيها عن المعاني الثانوية وأقصد بها المعاني غير الظاهرة والمستفادة من السياق.
لغة الكاتب:
استخدم القاص مصطفى علي عمار جملا قصيرة عبر بوابة الفعل الماضي في خمسة مواضع من فقرات القصة من خلال(جلست،خيّمَ، حملتْ،مضتْ،أيقضتها)
وكما عرفنا من دراسة سابقة خاصية الفعل التي تعطيك التجدد والاستمرار في زمن مخصوص وهذا حقيقة تناسب الحدث الذي حرص القاص على اسقاط الضوء عليه ألا وهو استمرار المقاومة ورفض الخنوع ،واستخدم الجملة الاسمية مرة واحدة في فقرات القصة من خلال (دَرْسُ اليتم…..) وخاصية الاسم التي تفيد ثبوت شيء لشيء فالفتاة في بلاد المقاومة غالبا ما يكون اليتم لها ثابتا لاستشهاد أحبتها أو بعضهم وذلك يعطيك بعدا قويا مراده حجم المقومة وقوتها وكثرة شهدائها…
لغة القاص السهلة أعطى انسيابية في السرد الممتع وكذلك تواصلية ارتفاع الحدث الى قمة العقدة لتأتي بعد ذلك مرحلة التوليد والنتائج في الفقرة الأخيرة من القصة والتي بينت استمرارية المقاومة رغم صعوبة الأمر وفقدان الأحبة ولعل القاص مصطفى بطبيعته ومن خلال اطلاعي على بعض قصصه يميل الى هذا الأسلوب السهل المفعم بالرمزية المحببة والتي تعطيك أبعادا كثيرة للقراءة وخواتيم قصصه ورمزيته تكاد تخفى إلا على من كان له حظٌ في فهمها وامتلك الأدوات الفاحصة عن الإبداع.