النص للكاتب الطيب جامعي
نص القصة على مجلة لملمة من هنا
القراءة
كثيراً ما تختلط نصوص القصة القصيرة جداً وتُعجن بنكهة وأريج الأساطير والملاحم القديمة لتبث للمتلقي عطراً يتنفس به روح الأصالة ويفتح له أبواب الربط والتأويل مع الإرث الحضاري العريق الذي يضعه الكاتب على مائدة متنوعة من الرموز وهناك العديد من القصص الزاخرة بهذا النوع الرمزي المثيولوجي ..
عنْونة النص ” سرّ” جاءت نكرة غير فاضحة للنص وهويمثل العتبة والمنصة الأساسية الإعلامية في بُعديه الرمزي والدلالي مع توفر كل السمات الرئيسية الناجحة من موضوعية ودقة وتركيز وإيجاز بالإضافة إلى التوازن والإنسجام مع مضمون القصة وهو الإشرقة الّتي تُنير للقارىء مسار التأويل..
وعند الولوج إلى ما يخفيه النص حيث أن أثر الرمزية المثيولوجية على هذا النص واضحة فإن أَبُولُو أو أَبُلُن أو أبوللو (Apollo)،حسب ما كان يعتقده الإغريق هو إله الشمس، إله الموسيقى، إله الرماية (وليس إله الحرب)، إله الشعر، إله الرسم، إله النبوءة، إله الوباء والشفاء، إله العناية بالحيوان، إله التألق، إله الحراثة. يملك جمال ورجولة خالدة. ويتم نقل نبوءاته والإجابة عن الأسئلة بواسطة الكاهنة بيثيا.
تمثل الرمز الإسطوري أَبُولُو وهو اله أغريقي له علاقات غرامية كثيرة، وهذه العلاقات لم تقتصر على الآلهة فقط، وإنما شملت حتى البشر، بالرغم من أنه لم يكن محظوظًا في علاقاته تلك كأبيه زيوس.
كان للإله الشهير في الميثولوجيا الإغريقية رموز كثيرة اقترنت به، كالعربة الذهبية والقوس والنبال الفضية والقيثارة والموسيقى والرقص والذئب والغزال والبجع والغراب، وشجرة الغار أيضًا.
أراد الكاتب أن يُبين لنا من خلال استخدام الرمز المثيولوجي الأسطوري إلى لجوء الناس عندما تنقطع لديهم أسباب النجاة وتفشي الوباء بصورة مستفحلة بحيث لايجوز السيطرة عليها بكل الوسائل المعتادة وكذلك لم تنفعهم المعتقدات التي كانوا يستنجدون بها عند الشدائد من أحجار كريمة وغيرها, يتمسكون ويرفعون أيديهم إلى الأله الذي يتوسمون فيه الخلاص, وقد انتقل الكاتب من خلال الأفعال الماضية بإسلوب رائع إلى خاتمة متربطة بالماضي والحاضر والمستقبل والتي تخالف القيّم الإنسانية من أفعال الغيبة وسوء الظن والنميمة وقد كانت القفلة مفاجأة ومدهشة” أشارت “بيثيا” إلى قطعة اللّحم الّتي تدور و تتلوّن بين فكوكهم” فقد نهى الله سبحانه وتعالى عن تلك الأفعال في محكم كتابه في سورة الحجرات آية 12( يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيراً من الظن إن بعض الظن إثم ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضاً أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتاً فكرهتموه واتقوا الله إن الله تواب رحيم).
وبذلك نجد كافة أركان القصة القصيرة جداً متوفرة في النص حيث التزم الكاتب بالمعيار الكمي من حيث التكثيف والإيجاز وقصر الحجم وعدم الإطالة والإسهاب الذي يُفسد على القارىء مُتعة الإسترسال والدقة والتركيز في اقتناء المرادفات واختيار مفردات متناسقة ومترابطة فيما بينها بالإضافة إلى اعتماده المعيار الفني من اختيار أبطال القصة ووحدة الحدث وربطها بالمعيار التداولي في تصوير درامي واستخدام رموز فلم تأتي عبثاً وإنما لغرض استثارت المتلقي ودفعه إلى التقصي والتأويل مع قفلة سردية رائعة أوجزت موضوع في غاية الأهمية ذات رمز أسطوري مع ترك المفاتيح التي تتيح للقارىء الغور في خفايا النص للوصول إلى ما يقصده الكاتب .