النص للكاتب نبيل عودة

نص القصة على مجلة لملمة من هنا

القراءة

بين قصة نبيل عودة وعظة “الأعداد”
أصرح علناً وبصوت جهوري أنني معجب بكتابات نبيل عودة. وقد يغار مني الشعراء على ذلك، فقد طالما دأبنا على تمجيد الشعر، وبتنا نسمي شاعراً كل صاحب قلم. ولانني لست شاعراً فقط، وأستميت للدفاع عن حقي في أنني لست شاعراً، يغتاظ مني الكثيرون، وينزعجون لأنني أطالبهم بحقي وأصر على أنني لست شاعراً فقط. وتبعاً لهويتي الابداعية أنا معجب بالنثر، وبالقصة على وجه التحديد، ويطربني الإصغاء إليها، فكيف إذا كانت للنبيل عودة؟
ولا أخفي أن هذه القصة القصيرة هي من أجمل ما قرأت لعودة، ولست أدري كيف يتوافق هذا الأديب والمفكر القدوة في الرأي معي، من جهة العدد. وقد أختلف مع عودة في السياسة وعلم الاجتماع، ولديّ رؤى لا تتماهى مع رؤاه، لكنني في أغلب الأحيان أوافقه واصرح بان هناك وجوه شبه كثيرة بيننا.
وسألفت هنا إلى ناحية العدد، فلست متزمتاً حسابياً، ولا أطيق الحساب، وكنت من الطلاب الفاشلين في الضرب والقسمة، وبيني وبين الحساب عداوة كما بين عبس وذبيان، ولعل ذلك هو السبب الذي جعلني أكتب عظة الاعداد في كتابي “في معبد الروح” حيث بينت أن الأعداد مصطلحات جاء بها العلم، وليست حقيقة، وأعطيت أمثلة عن رجل هو ابن وأخ وخال وعمّ وجد… وهو رجل واحد وليس خمسة رجال، لكي أصل إلى أن الثالوث في المسيحية لا يمكن فهمه كرقم “ثلاثة”، فهو فوق التجريد ولا يشبه الجمع الجسابي المتعارف عليه بين الناس، وكانت كلمتي الأهم في تلك العظة: قد يكون الواحد واحداً وغير واحد في وقت واحد.
وهذه المعادلة اللاحسابية، أشعرتني بأنني أخوض في عالم لا يريد الناس أن يخوضوا فيه، وظننت أنّني أقول شيئاً لا تعترف الغالبية من البشر بصوابه، حتى قرأت قصة نبيل عودة، ومفادها أن الأبورجيني الأسترالي، عندما سئل عن حصيلة الجمع: 2+2، أجاب بأن الحصيلة هي 5 وليست 4.
الفرق بين الأبورجيني وأستاذ الحساب، كما الفرق بين رجل جائع وآخر متخم، وكلاهما في صحراء… فلو خيرت الجائع في الصحراء بين الذهب والرغيف، لأخذ الرغيف، ولو خيرت المتخم بينهما لأخذ الذهب وترك الرغيف.
إذن نحن نتعامل مع الواقع بحسب رؤيتنا الشخصية له، وليس علينا أن نتبع خطى الآخرين عندما يقررون عنا أن حصيلة 2+2 هي أربعة. فماذا فعل الأبورجيني؟ أخذ حبلاً وعقده عقدتين، ثم أخذ حبلاً آخر وعقده عقدتين… ولكي يجمع بين الحبلين ربطهما (علامة الجمع +) فتولدت عقدة خامسة، وهكذا تكون النتيجة 5، أي كما قلت في كتابي “في معبد الروح”: “وقد تظنون أن الفصول أربعة، وهي فصل واحد يرتدي ثياباً مختلفة، وهكذا هو الله لا يحده عقل ولا تحدده أرقام، فلا تنظروا إليه بأفكاركم فقط، بل بأرواحكم أيضاً … وإذا سمعتم من يقولون إنه غير واحد، فاسألوهم عن ذلك وانتظروا منهم أن يجيبوا، فلعله واحد وغير واحد في وقت واحد، ولا تستعجلوا في الحكم… وإياكم أن تتهموا أحداً بالضلال، فإن ذلك يحدث الانشقاق والفرقة بين الناس، وما أبغض الفرقة إذا كانت ابنة الأفكار المجردة والأرواح المعطلة والقلوب المتحجرة!”

يقول النبيل: إن الجواب هو نتيجة عملية لتطور المجتمع، او العقل البشري، وان الجمع لا يتعلق بقوانين الرياضيات، بل بقوانين الحياة التي يعيشها الإنسان. وأنا أوافقه على ذلك، وأضيف أن الجواب قد يكون نتيجة حالة نفسية، أو حاجة أو واقع يعيشه الإنسان. ولست أطالب بأن يخطئ التاجر في الحساب مع الزبون، أو تتخلى الدول عن حساباتها، لكن في أمور كثيرة تختص بالخلق والعالم اللامرئي لا يمكن الركون فقط إلى العلم، فالروح لها دور مهم أيضاً، ولا بأس أيها النبيل الجميل أن يصل الفلاسفة إلى الحكم، فهم أجدر الناس في قول الحقيقة التي ينكرها الكثيرون، أو لا تخطر في بالهم. ولكن لا أنصح الفلاسفة بنشر أعمالهم على فايسبوك، لأنّ عدد المعجبين بهم سيكون قليلاً جداً.

أضف تعليقاً