للكاتبة نديرة جوبراني
نص القصة على مجلة قصيرة من هنا
القراءة
في قصة الأحداث المعاصرة يتيه الخيال وهو في لغة انزياحية جميلة لتنهدات قلمٍ رمز وهو يسبرُ غورَ ما يجري ويتألمُ كثيراً ،بدأت رحلة الوجع مع حديثٍ مع النفس ومكاشفة مشروعة،وأي مكاشفة دامية للقلب وهو يرى ويسمع كلّ شيءٍ دامٍ وصراخ الأبرياء وجوعهم ودمائهم التي امتزجت بمرارة العيش الكئيب.تساؤلات مشروعة بينه وبين ذاته ،لقطات سيمية متخيلة بلوحةٍ تشكيليةٍ امتزجت فيها ألوان الحياة وطغى عليها بعد ذلك لونٌ أحمرٌ قان. تصورُ لنا قصة الأحداث المعاصرة لوحاتٍ رسمت بريشة فنانٍ لم ينسَ أدقَ التفاصيل بدأ عرض هذه اللوحات مع سؤال القلم لذاته)) ماذا أدون؟)) سؤال ضمّ بين كلماته الثلاث صوراً عديدة ومأساةً تصكّ بضيمها وجه التاريخ.حيرة مشروعة لقلم حر وهو يقف بين مفترق طرق ومجموعة كبيرة من لوحات الألم :ماذا أدون؟ سؤال يهزُّ ضمائر العالمين جميعاً ويحمل سرّاً ليس بخافٍ على أبصار ومسامع الآخرين ،ربما اختزلت القاصة الأجوبة في طيات الأسئلة الافتراضية بعد هذا السؤال،فكان عرضها لبعض عناوين الألم وليس بالضرورة عرض الجميع.فكانت الأسئلة التي تلت هذا السؤال هي الجواب بعينه:ماذا أدون؟: ((عن طفل يصرخ بلا حليب؟ عن عجوز يئن بلا دواء؟ أم ثكلى تحمل يتم جنين؟))هي مفاصل أسئلة تضمّ بين كلماتها أسئلة موجعة أخرى وأجوبتها حاضرة فيما إذا كان لها جواب.
سلطت القاصة خيالها على واقعٍ مرئيٍ محسوس ؛فنقلت لنا هذه الصور الدامية من شعب كان بالأمس يرفل بالأمن والأمان حتى جاءه الموت يسعى .قلم نذيره الجوراني وقف متحيراً وهو لا يعرف من أين يبدأ ؛ ليدون مأساة شعب فقد حريته وحياة أبنائه بين المطرقة والسندان.لم يَطُل انتظار الرّمز حتى جاءه النداء من صوت لعلّه كان التاريخ نفسه الذي أصبح شاهداً على كلّ ما يجري، ليستمر عرضَ صوراً أخرى أكثر دموية ومرارة…(( صوت يناديه !! كتب إن التاريخ لا يسدّ رمقاً، وقام على حرد يسعى والأوصال ترتجفُ وأصوات البراميل تصدعُ الآذان لتصدّ صوت بطون تقرقر جوعاً. ملأت سموم الحقد أنفاسه)) الصوت كان من أعماقه الطاهرة والذي جعله يدون الحقائق كما هي دون رتوش. لقد أجادت القاصة بوصفها في هذا السرد البهي بتكثيفها الصور المزدحمة بالضحايا ،بدأت بشيءٍ معنوي ألا وهو التاريخ الذي لا يسدّ رمقاً ولعله التاريخ المزيف الذي يكتبه قلم منافق ومرتشٍ ،مروراً بأوصال الفقراء التي ترتعشُ من شدة الخوف والجوع والموت يحيطُ بهم وينزلُ عليهم بأطنان من السماء لتكون نهاياتهم هي إرضاء لإنسان حاقد ونفوس شريرة لا يهمّها موت الفقراء ،وتنتهي صور الموت مع تصاعد غباره الخانق الذي ربما كان بعضهم يتعمد بقاءه ليدون تاريخاً كاذباً ولكن…. وهذا هو السؤال هل كان قلم الأحداث المعاصرة وهو رمز وطنيٌّ وقد بانت وطنيته من حيرته ومجموعة تساؤلاته التي كان يرددها مع نفسه أم قلم منافق حاله حال بقية أقلام السلاطين؟. يأتي الجواب في نهاية هادئة وكأننا غادرنا الصور الدامية لنحظى بصورة براقة لنجم لامع بعبارات سهلة وهادئة((كتب ابنه على مدونته التاريخية إنه كان مؤرخاً صادقاً(( هي شهادة من ابن بار لأب طاهر رفض أن يكون قلماً لسلطان جائر وظلمٍ حاكم…..
ملاحظاتي:
1 – عتبة العنوان ( الأحداث المعاصرة) يمكن أن تكون خبراً لمبتدأ محذوف مقدّر ويمكن أن تكون مبتدأ لخبر مقدّر أيضاً وفي كلا الافتراضين هي معرفة موصوفة يراد منه تسليط الضوء على صورٍ مخصوصة ولشعبٍ معينٍ وقد عرفنا فيما بعد ماهية هذا الشعب من خلال البراميل الساقطة والمنفجرة…
2 – لغة المجاز العقلي بدأت منذ الوهلة الأولى (حمل القلم)) فأسندت القاصة الفعل للقلم وهو في العرف اللغوي بعيداً عن رمزيته غير عاقل،وهذا ما أعطى بعداً سيمياً رائعاً لجولة القلم بعد ذلك في متاهات الحيرة .
3 – الانتقالات الجميلة بين اسمية الكلام وفعليته والتزاوج الجميل بين الثبوت والاستمرار.
4– السرد البهي وانتقاء العبارات الملائمة لسهولته وكثرة الصور الفنية بالشكل الذي جعلها تكون في كلّ زوايا النص وسطوره وكلماته.
5 – كلمات القاصة وكأننا في مشهدٍ سينمائيٍ لفلمٍ يختزل الدنيا بعدة لقطات موجعة ويمكن أن أفصلها سريعا:
أ- حمل القلم بضعف السنين، وبمرارة الواقع.
ب- عن طفل يصرخ بلا حليب؟.
ت- أم ثكلى تحمل يتم جنين.
ث- إن التاريخ لا يسدّ رمقاً، وقام على حرد يسعى
ج- والأوصال ترتجفُ
ح- وأصوات البراميل تصدعُ الآذان
خ- لتصدّ صوت بطون تقرقر جوعاً.
د- ملأت سموم الحقد أنفاسه.
فهل يا ترى بقي شيءٌ لم تصوره لنا فرشاة القاصة الفنانة نذيرة.
أمام هذه اللوحة لا أجدني إلا أن انحني إجلالا وتقديراً لقلمٍ صادقٍ ينزفُ عشقاً
وحباً لشعبه ووطنه.