للكاتب صالح هشام

نص القصة على مجلة قصيرة من هنا

القراءة

لدينا نص إبداعي لافت سياقه، ومحمل بقيم فكرية ثقافية عالية الفائدة..
هاهنا محاضرة أدبية في مفهوم الرمزية والتجريد يقدمها فنان قدير يجيد الرسم والتلوين اسمه صالح هشام، والقارئ له عليه أن يعي جيدا عندما يقرأ له نصا بأنه على وشك تحريك بحيرة الفكر العربي الراكد بإلقاء صخرة ضخمة لا مجرد حجر.
سوف أجمل الخطوط التي كونت اللوحة في عدة نقاط مختصرة كرؤية نقدية متواضعة على النحو التالي؛
أولا؛ يعرض النص في عمق سياقاته ما نسميه الفانتازيا الساخرة sarcastic fantasy، وهى ببساطة تعني إلباس الواقع حلة بهلوان مهرج يقدم عرضا ضاحكا بينما تحمل تيمة العرض معنى شجيا يؤز المتفرج للبكاء، وقد أسهب استاذنا في إسقاط رموزه على الواقع، اللون الأحمر الذي ألصقه المبدع صالح هشام بلون الأعداء يذكرني بحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم (ثم هدنة بينكم وبين بني الأصفر) يقصد النبي ببني الأصفر الروم في زمانه، أو الغرب بوجه عام في العصر الحديث، واستخدام الألوان للتميز وارد منذ القدم، وتلك عداوة قائمة مهما حاولنا إخفاءها تحت أية مسميات، أساسها الدين والصراع الحضاري، أما اللون الأسود فهو لون التشاؤم والحداد الذي ناسب ما يجري بداخل أراضينا من قتل ودمار تقترفه أيدينا نحن حتى من قبل أن يقتلنا الأعداء.
ثانيا؛ يقدم السياق في البداية مشهدا ضبابيا يتناسب مع حالة الهرج التى نمر بها حاليا، ثم يجعل من النمل بطلا للسرد وهو من أضعف الكائنات حجما وقوة لكنه من أكثرها نشاطا وفاعلية، فالكاتب يقول ضمنيا؛ الهوان والضعف ليس أصيلا فيكم أيها الناس، تستطيعون تحويله إلى قوة ودأب بشرط التجمع والوحدة حول رأي واحد ورجل واحد وهدف واحد.
ثالثا؛ بؤرة الأحداث التى تمثل الصراع plot في انتقال النمل الأسود من ضرورة مواجهة العدوان والاستعداد له إلى مشكلة فرعية لا تقدم ولا تؤخر، وهذا أمر واقع، فما زالت الفتوى في الشعب العربي تبحث في قضايا هامشية لا شأن لها بالحضارة والعلم، ما زال (علماء) الأمة يبحثون في إباحة تهنئة المسيحي بعيده أهي حلال أم حرام، تحديد النسل مباح أم محظور، هل تصح مصافحة الرجل للمرأة؟ قضايا هامشية فقط لتضيع الوقت وتستنزف الجهد والفكر، في حين انطلق الغرب (الأحمر) ليجوب الفضاءات بعلومه ويسكن المريخ ويستزرع أرضه، لقد أبهرنا صالح هشام باختيار حبكته وبؤرة الصراع عندما جعلها مجرد البحث في كنه أم النمل التي ورد ذكرها في القرآن بسورة النمل، كيف كانت وكيف تجرأت لمحاكاة النبي الملك سليمان، والطامة الكبرى أن نكرس الوقت والجهد والتفكير في العبث لنصطدم في النهاية بمرارة النتائج.
رابعا؛ انتقالات استاذنا المبدع صالح هشام مابين المشهدية النابضة بالحراك وتذبذبات الصوت في طول النص وعرضه جعلت القارئ يستمتع بالسرد ويتعايش بين طياته بلا عناء، فضلا عن السياق اللغوى الممشوق والبعيد عن الغرابة والإبهام.
خامسا؛ المتابع لنسق السرد في مغربنا العربي بوجه عام (تونس والجزائر والمغرب) يلحظ نمطا محببا من السرد أسميه (عنقودية السرد) أو cluster narration، بحيث يجعل الكاتب من سرده تفريعات من أصل واحد، ومن التفريعات تفريعات متناهية الصغر، ليعرض بدقة مشهديته، ويمتع القارئ بتفصيلات كثيرة كلها تخدم السياق الكلي للنص، ونرى ذلك جليا في كل فقرة بهذا النص.
سادسا؛ في طول النص زخم هائل من الإسقاطات، مثل تصوير ملكة النمل ببطن هائل، تصويرها تمسح فتات الطعام، النمل المشغول بجر حبات العنب، النمل الذي يركب وريقات التوت ليعبر النهر، حالة الهرج والمرج في مجلس الحكم، كل هذه المشاهد ليست عبثية بالنص بل لها مدلولات عظيمة الفائدة فقط للقارئ الذي يمعن الفكر، فالكاتب لا يريد قارئا نمطيا على الإطلاق، النص سوف ينتقي ويصطفي قارئه من بين المئات، وفي رأيي الخاص تمنيت لو أننا لا نقرأ أدبا على صفحات التواصل بأقل من هذا المستوى لتحدث الترقية المرجوة للقارئ وللفكر وكذلك لإحداث طفرة فكرية تنويرية.
سابعا؛ أعطانا الكاتب بعض المفاتيح لرمزيته وهو بذلك يأخذ بيد القراء لاختراق المضامين، ففاجأني مثلا بقوله (تسلم الملكة مفاتيح القرية وتدخل خانة العبيد من أوسع أبوابها، تنتظر دورها في سوق نخاسة القرن.) كلمة القرن هنا ردتنا بسرعة للربط بين الحدث زمانيا ومكانيا، هاهو ذا قرن معاصر يجب أن يسقط عليه النص، ومثل قوله ( تغتسل القرية بماء العار المالح. يعود كبار العلماء لنقاش قصة النملة الكبرى مع سيدنا سليمان. ويستمر الاختلاف. ويستمر. وتكبر جبال الجليد.وتكبر. وتكبر) وكأنه يقول لنا تابعوا معى حالكم المحزن، الشقاق مستمر حتى بعد وقوع الفاجعة، فمتى يزول لنفكر مجددا في حل عملى منطقي لتغيير هذا الحال البئيس؟
فى النهاية لا يسعنى إلا تقديم أسمى آيات الشكر والعرفان للأخ العزيز القاص والناقد المغربي المميز صالح هشام، وأقول له هذا قليل من كثير كان يجب استنباطه من النص لكن لا يتسع المقام لتفنيد كل كبير وصغير، وعلى كل قارئ أن يأخذ من النص ما يستطيع.

أضف تعليقاً