النص للكاتبة مديحة الروسان

نص القصة على مجلة لملمة من هنا

القراءة

جمالية اللغة بين طاقات تعبيرية وابتكار المعاني المليئة بالدلالات القصة

1ــ عتبة النص:
جاء العنوان مفردا، يحمل دلالات عديدة، فلغة كلمة “مخاض” تأتي من مخض، أي: حرك ورج…ونقول: مَخَضَ البِئْرَ بِالدَّلْوِ: أَكْثَرَ النَّزْعَ مِنْهَا بِالدَّلْوِ وَحَرَّكَ مَاءهَا، ومَخَضَ الرَّأْيَ: قَلَّبَهُ، تَدَبَّرَ عَوَاقِبَهُ حَتَّى ظَهَرَ لَهُ الصَّوَابُ. والمخاض هو” ألم الولادة الذي تحسه وتعانيه الأم وقت الولادة. وعندما يبلغ الجنين أجله داخل الرحم، يبدأ الرحم بالانقباض لدفع الجنين إلى الحياة الخارجية. وفي العلوم الفقهية تعني كلمة “مخاض” وجع الولادة وهو الطلق‏.”(1)
العنوان هو الذي يوجه قراءة النصوص الإبداعية على اختلاف أجناسها الأدبية.، ويغتني بدوره بمعان جديدة تنير دلالة القصة وغيرها.. وتكمن أهميته أكثر في استخلاص البنية الدلالية للنص، وتحديد تيمات الخطاب القصصي، وإضاءة النصوص به. فالعنوان/مخاض/ يعتبر كبوابة تسهل الدخول إلى حياة النص، فهو المفتاح الذي به تحل ألغاز الأحداث وإيقاع نسقها الدرامي وتوترها السردي، فكيف حدد العنوان “مخاض” تيمات الخطاب القصصي؟ وكيف أضاء روح النص عن طريق البناء الدرامي؟.

2ـ تحليل خطاب النص وتفكيكه:
أ ـــ تدثرت بثوب الاستسلام / بطلة تلففت بدثار غير كاشف للباسها الذي يوجد على جسدها، تدثر قد يأخذ شكل عباءة أو معطف، وما دامت الساردة أسندت كلمة ” ثوب” إلى كلمة ” الاستسلام ” فقد خرجت الكلمة عن معناها الحقيقي وانزاحت نحو معنى جديد، فتحول الثوب من الحماية والحفاظ من البرد إلى لباس يخلق صورة التمويه والمداراة. ومن أهم دلالات الاستسلام: الخوف والاختباء/ التراجع والانكماش/الحذر والترقب/ التلصص على الفضاء الخارجي/متابعة ما يجري بنباهة وفطنة/ …وكلما كان الاستسلام له قوة على النفس والذات، فإنه قد يؤدي إلى الهرب والانسحاب. ب ـــ ومضت تغازلهم…/ فالمغازلة هي إبداء الرقة والتعاطف، والكلام العذب، والاهتمام العاطفي لكي يحس الطرف الآخر بالانجذاب والتقرب.” تغازلهم”: تذكر محاسنهم وتصف جمالهم، فالبطلة لا تغازل فردا معينا، وإنما تغازل جماعة ما؟ فما نوع المغازلة؟ أهي تعني التقرب والتودد؟ هل هي صادقة في ذلك، أم هي نوع من المداهنة والمداراة؟ فهل عمدت للمغازلة لتليين موقفهم؟ فهل يدخل في هذه المغازلة التحايل والدهاء؟ فالضمير في جملة “تغازلهم” يعود على الجماعة، من هم؟ لقد تخلت الساردة عن كلام مغيب بين البطلة والجماعة، فكيف تمت المغازلة ؟ بالكلام، والقول، أو بالإشارة والتلميح؟ فتركت الكاتبة بياضا عبارة عن ثلاث نقط(…) لتقحم القارئ في جدلية التأويل، وملء تلك الفجوات حسب رؤيته الشخصية، وتفكيره وتجربته في الحياة، كجدال فكري بين الساردة /المبدعة والقارئ، جدال قد يجر إلى الاتفاق، أو يجر إلى صراع فكري مرتقب، وكشف التناقض الحاصل بين الاستسلام والمغازلة. فما حقيقة استسلام البطلة؟ يبدو أن هذا الاستسلام ناتج عن ضغوطات من الجماعة سكتت عنها الساردة، فما هي العلاقة التي تربط البطلة بأفراد الجماعة التي غازلتهم؟ هل أحست البطلة بالانهزام، فلجأت إلى وسيلة تعيد لها كرامتها؟ إنها مغازلة مبطنة بالتمويه والمداراة والمداهنة، فكأن ثوب الاستسلام ما هو إلا ذريعة تخفي ما تفكر فيه، وما ترغب فيه. فهذا النوع من الاستسلام لا يعكس حقيقة النفس الداخلية، وما يخالجها من رجرجة مقلقة تنغص عليها حياتها. فلقد ادعت الاستسلام والانكماش والتراجع عن مجابهة الوضعية بصراحة، وهو نوع من”التقية” وإبعاد نفسها عن شبهات المعارضة والمقاومة. واتخاذ الحيطة والحذر من البطش والفتك بها. عملت الساردة على تطوير الحدث في صمت، مما ينبئ بصراع قادم بين البطلة والجماعة. ومن هنا نتساءل: ما سبب هذا التصادم الخفي بين البطلة والجماعة؟ وما صفة الجماعة الضاغطة عليها؟ أهي تتشكل من أسرتها وأفرادها؟ أم قوة خارجية لعبت دورها في نسف حياتها وتدميرها؟ ج ـــ نما في رحمها بركانا من القهر…/ لقد جعلت الكاتبة من هذه البطلة شخصية بدون ملامح خارجية، وإنما دلت على شخصيتها من خلال حالتها، حالة القهر والذل، وطول الحصار المضروب عليها. مما أدى إلى ولادة بركان داخل النفس يرمي بحمم القهر والخنق. فبركان القهر لم يتكون دفعة واحدة، بل تكون مع الوقت. فخلقت الساردة صورة من فعل “نما”. فنمو القهر تم في رحم البطلة، كناية عن العمق. فإذا كان البركان ينمو في رحم الأرض، فإن ما يشبه البركان في قوته وتأججه ينمو في رحم البطلة. فحاولت الساردة أن توازي بين البركان ونفسية البطلة، والقاسم المشترك بينهما، الحرق والاختناق، كأن القهر والذل والقمع هي حمم لا تختلف عن حمم البركان. فجملة ” نما في رحمها بركانا من القهر…” فيها خدعة للقارئ، إذ لا بد أن يتساءل ما المقصود بكلمة “رحم”. أتعني بها “الباطن” ؟ أم تعني بها الحمل، بعدها يأتي المخاض، ثم الولادة؟ رغم أنه مخاض ولادة منتزع من القهر الذي مورس عليها. لم اختارت الساردة استعمال “الرحم” بدل النفس؟ هو تعبير لغوي خلقت به الساردة صورة قوية لينسجم المعنى مع العنوان “مخاض” والمراد هو تبيان ذروة الرجة وحركة الاهتزاز النفسي، والاضطراب الاجتماعي كولادة بركان ينفث الذل والقهر والتسلط من جوفها. توسلت الساردة باللغة لخلق صورة ذات طبيعة جمالية تجمع بين الغضب والثورة والانفجار. يقول الدكتور خالد سليكي” إذا كان الأدب يعتمد في مادته على اللغة، فإن اللغة تظل هي بيت القصيد إلى جانب الكيفية التي وظفت فيها”.(2)
فالجملة السردية/ نما في رحمها بركانا من القهر…/ تحتمل تأويلا آخر، فاللغة المجازية غطت الحقيقة الكامنة بين كلمات “الرحم” و”البركان” و”النمو”، كلمات مثقلة بالدلالات الحمالة لعدة أوجه، كلمات تشكل نسقا لصور مترابطة، صور تتدرج عبر زمن محدد/ الحمل/ النمو/ المخاض/ الولادة/، كلها حالات تمت في زمن غير محدد، ومكان غير معين. وهنا يسقط المتلقي في الاتجاه الواقعي الذي عبرت عنه لغة الكلمات بإيجاز وتلميح، واختزال شديد، وبياض يدل على كلام مفقود بين الخبر والخبر. فبين الجنين الذي يسكن الرحم، وبين مجيئه إلى العالم، وهو يعانق نور الدنيا مسافة زمنية معلومة. ويتبين أنه جاء عن تعسف وتسلط، أو عن نزوة طائشة، أو زواج بالإكراه…، لذلك كانت معارضة الجماعة قوية تدعو للجنين بالموت قبل أن ينضج وينمو، ومن تم كانت الجماعة (الأسرة) تضغط عليها لإسقاطه والتخلص منه، فعاشت البطلة تحت بركان من القهر والمذلة..وهنا لعبت المغازلة فعلها في المحافظة على الجنين حتى يكتمل نموه.
الجزء الثاني د ـــ ولما اكتمل نموه../ يعود ضمير “الهاء” على الجنين، الذي سوف يخرج إلى الحياة، فتأهبت البطلة لخلع ثوب الاستسلام، بعدما استجمعت قوتها الداخلية، واستنفرت طاقتها الكامنة استعدادا للمواجهة والتصادم، فمغازلة الجماعة كانت ناجحة، استطاعت من خلالها الوصول إلى هدفها. يبدو أن مغازلتها لهم طالت واستغرقت زمنا طويلا حتى كسبت ثقتهم، ومقابل هذا الفعل والسلوك نجدها قد حافظت على ما يوجد في رحمها، وما يوجد في فكرها ونفسها كمعارضة صامتة. فكانت تسهر على جنينها حتى يرى الحياة، ويتنسم هواء الكون الخارجي. فبذكائها وادعائها الاستسلام، واستعمال غطاء المغازلة، استطاعت أن تخرج نفسها والجنين الذي تحمله من مرحلة الموت والهلاك إلى مرحلة النضج والنمو السليم. ه ـــ / شق جدار الكون معلنا صرخة الحرية …/ كان يعيش في كون ضيق ومحدود، ولما خرج إلى الكون الفسيح واللامحدود، سجل حضوره في الحياة، معلنا صرخة تملأ الكون كله ببكائه، كأنه يقول: ” أنا موجود،” أنا حر، لم أعد حبيس ظلمة البطن، ولم أعد مقيد الحركة. لقد تجددت الوضعية وتطورت، وانتقلت نحو انفراج جزئي. لقد هيأته مسبقا، بعدما شحنته بطاقات نفسية وروحية ممزوجة بطعم الحرية، ومشبعة بروح الكرامة، فما أن استنشق هواء الدنيا حتى صرخ، كأنه يريد الحرية. وقد يتجدد صراخه عبر الزمن. سوف يطالب بالحرية أكثر في المستقبل دون خوف أو تردد، يصرخ، يصيح، يحتج ، يتذوق الحياة ككائن حي يحب الحياة مثبتا وجوده.

3 ـ العقدة المضمرة في القصة:
قصة “مخاض لا تخلو من العقدة التي تتمظهر في شكل أزمة أو مشكلة أو وضعية صعبة، لكنها جاءت غير واضحة وملغزّة، بل مختفية ومضمرة. ولا يمكن استجلاؤها إلا بالتأويل والتأمل والفحص والاختبار. لمن ينسب هذا الجنين؟ من هو أبوه؟ أهو مولود من رجل وضيع؟ فهل الحمل ناتج عن اغتصاب فردي أو جماعي؟ أهو يدخل ضمن اللقطاء؟ هل أبوه ينحدر من أسرة منحطة القيم؟ هل هو رجل ينتمي إلى أسرة فقيرة، وأم الجنين تنتمي إلى أسرة غنية مشهورة؟ هل الجماعة رفضته بسبب انتمائه السياسي أو العرقي؟ هل كانت أم الجنين تتعرض للضغط عليها بزواج مفبرك كتغطية على مجيء الجنين في ظروف غامضة؟ ولماذا لم تتخل البطلة عن ولدها؟ أهو الحب، أهو العشق والوفاء؟ هل ما زال الأب حيا؟ هل كان شاهدا على الصراع القائم بين البطلة والجماعة؟ فمعظم الأجوبة التي قد ينتظرها القارئ تبقى مضمرة ومختفية. يقول الدكتو جميل حمداوي: ” نعني بالعقدة الوضعية السردية الأساسية القائمة على التأزم والصراع والاضطراب والتوتر الدرامي.”(3) من الصعب بمكان استجلاء العقدة في قصة “مخاض”لأنها جاءت مضمرة غير مفصلة أو مقتضبة، ولن يتأتى ذلك، إلا إذا مارس القارئ جهده وثقافته، وجمع جملة من التأويلات عسى أن يستكشف تلميحا وتلويحا لمعرفة موقع هذا الجنين الذي ساهم في خلق صراع كبير وتأزم حاد، حالة أدت إلى اضطراب العلاقة بين البطل والجماعة.

4 – نهاية القصة:
عملت الكاتبة على إضمار الصراع القائم الذي قام بين البطلة والجماعة، والذي نتج عنه. فعل/ التدثر بلباس الاستسلام/ المغازلة/ حالة غير معلومة للقارئ في البداية، فالبطلة تقمصت شخصية جديدة كسبيل للنجاة والوصول إلى هدفها، إضمار يحفز القارئ على التساؤل عن سبب هذا التوجه للبطلة. فيبقى المتلقي متطلعا لما سيحدث بعد الاستسلام والمغازلة، وينتظر كيف يتطور الحدث، فكلما تقدم في القراءة يكتشف أن محور الصراع يدور حول الجنين، وإصرار البطلة على الاحتفاظ به. فكلما نما في بطنها، فإن القارئ يتخيل أن قتل الطفل وشيك، أو قتلهما معا، أو طردهما….لكن الكاتبة صدمت القارئ لما جعلت من الجنين يشق حياته معانقا الحرية. وهي مفارقة صادمة للقارئ بعدما خيبت نهاية القصة توقعه، فنشأ صراع بين ذهنية القارئ واعتقاده، وذهنية الكاتبة. بداية درامية تحولت إلى نهاية تأملية تحفز القارئ على التفكير والتخمين والاستشراف. نهاية مفتوحة؛ تفسح المجال للقارئ لكي يبحر في تأويلاته المتعددة، ليصل إلى نهاية مناسبة منطقية. فهل تحررت الأم /البطلة من ملاحقة الجماعة لها؟ هل سينجو الصغير من مكائد الجماعة المقبلة؟ هل يساعدونه على شق الحياة حتى يكبر؟ كيف تكون حالته النفسية تجاه الجماعة في المستقبل؟ نهاية تبقى مفتوحة كسمة تميز قصة “مخاض”. فهي تدل على جودة القصة، وإبداع الكاتبة. يقول الكاتب صالح عالية: “فإن الخاتمة هي عتبة الخروج، وتتميز عن المدخل، من حيث إن بلوغها لا يعني نهاية القص، مثلما تعني المقدمات والمطالع والعناوين بداية النصوص، لأن القارئ يظل مشغولاً بالنص بعد الخروج منه. فالخاتمة تغلق النص، ولكنّها لا تغلق اشتغاله في أذهان القراء”. (4) لقد أفلحت الساردة في تخليص المستوى السردي /الدال/ والمستوى الذهني / المدلول من اللغـو وإطالة الكلام، فاهتمت أكثر بالمستوى الدلالي الذي يدفع بالقارئ إلى بناء النص من خلال الربط بين المقاطع السردية والذهنية، حتى يدرك القارئ انسجام النص وانتظامه عبر الفهم والتأويل. يقول الدكتور حسين المناصرة ” إن اللغة الإبداعية هنا، لا تحتمل التفصيلات والشروح والحوارات كما هو الحال في الرواية والقصة القصيرة والمقالة، أو ما إلى ذلك؛ فاللغة في القصة القصيرة جدا هي لغة إيجاز، وترميز وإيحاء وحذف إبداعي،…”. (5)

5 ـ البناء والتركيب:
بفنية أدبية أجبرت الساردة المتلقي على استخدام خصائصه الذاتية والفكرية والثقافية للدخول مع النص في جدال، ونقاش فكري ينظر إلى نص “مخاض” كعتبة للوصول إلى ما هو اجتماعي ونفسي، وكنوع من التفاعل للعثور على الجمالية التي تميز بها الإبداع القصصي عن باقي القصص غير الأدبية. قصة “مخاض” ارتكزت بالأساس على الشكل اللغوي والفكري، فميزة الأدب في لغته. إذ نجد كلمات النص/ الاستسلام/ المغازلة/ الرحم/ البركان / القهر/ النمو/ الكون/ الحرية/ قد تتحدد قيمتها من خلال موقعها في النص، فقد هيمن الجانب الجمالي في اللغة الموظفة في قصة “مخاض”، لغة ثرية وغنية بالصور، لا تحتمل التفسير والشرح، ممتلئة بدلالات مفتوحة تسهل على القارئ الدخول في جدلية التأويل، والحوار والمناقشة.

المراجع
1 ـ معجم المعاني الجامع – معجم عربي عربي)
2 ـ الدكتور خالد سليكي/ من النقد المعياري إلى التحليل اللساني/ عالم الفكر/ المجلد الثالث والعشرون /العددان الأول والثاني/ يوليوز/سبتمبر/ أكتوبر/ديسمبر/1994 ص:369
3 ـ الدكتور جميل حمداوي/ البداية والعقدة والجسد والنهاية في القصة القصيرة جدا بالمغرب/مقال منشور في “سيتي ناظور.
4 ـ إبداع النهايات المفتوحة الاتحاد/الملحق الثقافي /الإمارات/تاريخ النشر31/غشت/2016.
5 ـ الدكتور حسين المناصرة/ القصة القصيرة جدا- رؤى وجماليا/. قرطاس الأدب/ مقال منشور بتاريخ / 4 يوليو 2019/ مدونة أدبية مخصصة للمقالات المترجمة والمكتوبة.