أهي الحقيقة أم الحلم، حالة يقظة أم أضغاث منام..أم لاهذا ولاذاك، وإنما حالة جنون خاصة وقد تلبستني !؟ وإلا لِم ورقة المائة درهم تفرد جناحيها كطائر وتهرب مني كلما أوشكت على الإمساك بها؛ والتي لاأدري كيف تسللت من جيبي، هل التصقت بالولاعة أم اختبأت وراء علبة السجائر حين أخرجتهما منه لأدخن، أم تسللت وراء يدي التي تظل في خروج ودخول متواتر من الجيب وإليه، لما أتعب من حملها، ولاأستطيع الإفتكاك عنها، ولاعن الشعور بها ككُم مهلهل من لحم وعظم لاأستطيع رفعه ؟ بل وأكثر من ذلك، صارت تتكلم، وفي سخرية ايضا ومع شماتة بادية ! فتلخبطت أكثر،وماعدت قادرا بالمرة على تمييز الذي يجري؛ بعد أن كنت ذاهبا الى سوق الأشياء المستهلكة، لشراء حذاء رخيص، حيث الحذاء الذي في قدمي قد اهترئ تماما، وماعادت يد الإسكافي بقادرة على إطالة عمره ولو لأسبوع ٱخر، بينما كنت عاجزا عن استبدال الطريق المهترئ الذي أعبره ويعبرني كل يوم ! وكان كل همي شراؤه وتوفير ثمن القهوة مع بضع سجائر على الأقل من تلك الورقة ذات المائة درهم. لكنها هربت مني، وركزتْ كل همي في الإمساك بها من جديد، وإلا عدت حافيا والريح تصفر في جيبي المنفغر كفاهٍ يفتحه ذهول مزمن ! وصرت أقفز وراءها من رصيف الى ٱخر، يلاحقني زعيق السيارات متبلا بالشتائم والسباب ورذاذ البصاق؛ بينما هي تستمتع بإطلاق ضحكة فاجرة،فيم تتحداني بنبرة احتقار قائلة:
– لو كنت رجلا، كما تدعي، لكففت عن مطاردتي، وتركتني أواصل طريقي عبر شبكة الجيوب، الى حيث تتجمع أخواتي!
– أنا رجل..ولن أتوقف إلا وأنتِ بين أصابعي، لأنكِ لي !
– أنا لست لكَ..أنا عابرة على رصيف جيبك البارد فقط !
– بل أنتِ لي، وغصبا عنكِ !
– أنا لاأريدكَ ؟
– وأنا أيضا لاأريدكِ..لكن أحتاجكِ ؟
– وأنا في غنى عنكَ، فاتركني إذن !
– لن أترك ماهو لي !
– حِبَّني إذن ؟
– أنا أكرهكِ !
– ولماذا تركض ورائي ؟
– لأني أحتاج إليكِ..لأنكِ كالمفتاح دونه لاباب يفتح في وجهي..لكن هل سمعتِ عن أحد أحب مفتاحا !؟
– المفتاح مثلي جدير بالحب، لكن الحمقى أمثالكَ يمسخون الحب هوىً في النفس أي شيئا شبيها بالريح، ولايرونه في اليد الممتلئة ! فأنا لست من ورق، أنا من حرير، وفي عيني شبق من ذهب، وطوبى ليد أمسكت كفي المخملي، الذي لاتضاهي حرارته أكف كل نساء الأرض..أنا مفتاح المفاتيح !
-أنتِ مجرد ورقة كورقة الكلينكس، لكنا نحن من رفعكِ فوقنا كسماء أخرى حتى صار لكِ ظل فغمرنا، بينما حططنا من شأن ورق الكلينكس! ولامانع إن أحببتكِ أنتِ، من أن أعشق يوما، وفي ظروف مناسبة، ورق الكلينكس !
– أنا ملكة الأوراق، وملكتكَ، وكل من على الأرض يركع لي، ويمر في صراط بوتقتي..أنا الحب، والبغض، ومابينهما وحولهما من مشاعر، ولأجلي يقتل الناس بعضهم بعضا، كما كل الطرق شهادات تحمل تواقيع الأقدام التي تركض ورائي كل حين، بما فيها قدمك أيها الجاحد !
– أكرهكِ أيتها اللعينة، فأنتِ شر لابد منه، شر علي أن أرتكبه كل حين، كي أستمر في الحياة !
– بل أنا الخير، والخير العميم، الذي يفيض بكل نِعم الأرض والسماء، وكل من أحبني وجعلني معبودته، وضمني الى صدره قبل أن يضعني في جيبه، وقبلني بحنان، منحته مفاتيح جنات الأرض، وتوجته قديسا تتهافت على بركته كل أبناك الارض !
– أنت ( لخرا)…
قلتها بغضب ونفاذ صبر، ثم قفزت وراءها كحارس مرمى وراء كرة قدم، وكلي إصرار على الإمساك بها، ودعكها قبل الإطباق عليها في الجيب..لكن حذاءا ثقيلا هوى على أصابعي حين أمسكتْ بها، وأرغم يدي على إفلاتها. فرأيت يدا تمتد وتلتقطها من أمامي، ولم أشعر بالأخرى إلا وهي تهوي على وجهي بصفعة مفرقعة، بينما فَم جاف حقود يحذرني بحزم:
– إخرس أيها اللص !
ولم أقل شيئا، لأن الألم الذي طفح على وجهي، جعلني أدرك أن الأمر حقيقي كحد السكين الذي كان يلمع في وهج الشمس !
- مائة درهم
- التعليقات