يجب التشكيك في كل ما كتبه الرجال حول النساء
لأنهم خصم وحكم في الوقت نفسه – جان بول سارتر –

يحزم أسماله على خاصرته، يأكل هرولة جنبات مسارب وعرة المسالك، يسابق سقوط كويرات البرد، فقد تكون بحجم بيضة دجاجة، وهي بهذا الحجم لا محالة تفرقع الرؤوس، فيمعن في الهرولة، تتحول خطواته الكبيرة ركضا، يجتاحه خوف شديد، تثقل قدماه وتشده الأرض، تحكم قبضتها عليه، فيقتلع قدميه اقتلاعا من كتل إسمنتية يابسة.
شيء ما غريب يمسك بأطراف جلبابه، يعوق سيره، يمنعه من الحركة، يكبر هذا الشيء، يتضخم ويشعر به ينتفخ كبالون، فيرتعب ويجر نفسه جرا كأنه صخرة ثقيلة… أنفاس حارة معطرة برائحة قرنفل تجتاح قفاه، تغمر جسده كله، يغرز عينيه في الفراغ، ثمة أنامل ناعمة، ملساء بدون أظافر، باردة برودة الموت تدغدغ حبيبة أذنه، ثم انتفاخ في القلب، وتورم في الأطراف، تعقبه قشعريرة تنفش أشواك رأسه.
قبضتان قويتان تعصران فوديه، فيحس بدوار شديد، وبرغبة قوية في القيء حتى الإغماء، تثقل خشبته، تتقطع أنفاسه، صوت لا صوت يشبهه، يسمع واضحا، رخيما رحيما، غريبا عجيبا، يقع همسات عذبة في أذنيه:
– حبيبي أتلبسني أم ألبسك؟ أتسكن إلي أم أسكن إليك؟ أ تحملني أم أحملك؟
يلملم ما تبقى فيه من قوة، يجمع أطراف لسانه المترهل، ويصرخ في فراغ مميت:
– من أنت يا امرأة؟ وماذا تريدين مني؟
همس أشبه بحفيف زهرات أشجار الدفلى يجيبه:
– أنا عروسك، أنا عروس البحر، أنا عروس البر، أنا عروس النهر، أنا ناقة الصحراء، بي هيفاء فرعاء تغنى الشعراء، ألا ترى أظلافي جميلة، كأظلاف سفينة الصحراء؟ أنا متقلبة المزاح، أنا كالحرباء كل الألوان ألواني، أوجد في كل زمان، وفي كل مكان منذ غابر الزمن.
تجتاح جسده رعشة باردة كالصقيع، يفقد اتزانه وتوازنه، تضيع منه مكابح الروح والجسد، تتشقق مصا رينه، فيفعلها ساخنة، وتستقر في قاع مداسه.
قضيب فولاذي مغروز في رقبته، يشل أطرافه تماما، يتمتم حروفا وجملا غير مكتملة المعاني، يحاول جمع شتاتها وترتيبها، لكنها تنفلت من لسانه المتخشب، فتركل أعلى سقف حنكه، يلفظها بصعوبة بالغة، ثم تندلق رخوة من شفتيه مترهلة، وتضيع في متاهات خيشومه، فينطق الخواء: نهنهة وحمحمة، حروفا متقطعة وأصواتا غريبة، وتتلاشى الهمسات في أغوار فراغ سحيق، فيتردد صداها في أذنيه كرنين مطرقة حديدية ترج سندانا.
يتخلص بمشقة من حبال مشدودة بأوتاد كبيرة، مغروزة في قلب الأرض، وكقذيفة طائشة يخترق العدم، يركب ريح الريح، يركض في كل الاتجاهات كحصان مجنح.
هسيس الكلاب، بصبصتها، نباحها المكتوم، حفيف الريح، خشخشة الأعشاب، تكتكة قدميه شبه حافيتين فوق التراب الناعم، أصوات نشاز، ممزوجة برنين الهمس، لم يكن ليميز منها شيئا.
يندفع في قعر بيته الطيني، مرتجفا مرعوبا، ثقيل الخطو، منهوك القوة، يتهاوى كتلة لحم باردة، لا أثر للحياة فيها، وبسرعة تتلقفه أمه بين ذراعيها، تسنده إلى ركبتيها، تصرخ.. تولول.. تحوقل.. تتف، وتردد تعويذات مبهمة، وتتلو آيات قرآنية، لا تحفظ منها شيئا:
– آ عيشة، آ عويشة، آ مولات المرجة أحجارك يشدوك: بس، بس، بس، ابني هذا العبد الفقير، لا هو من ثوبك ولا أنت من ثوبه، هو منا وأنت منهم.
تدس أصابعها بحذر في جسده، تبحث عن آثار تلك القبلة الدموية المسعورة، فيستفيق من نوبة صرعه وصراعه:
– هي إنها هي، مولات المرجة عيشة، لمستني وداعبت شعيرات قفاي، ها هي حرارة جسدها الناعم ما زالت تسد مسام جسدي، وأنفاسها تعطرني كلي، ها هي تهمس في أذني أنشودة عشق الجن للإنس، وتتلذذ بملوحة لحمي، وتعض حبة أذني، وتبوح لي بسرها، تعترف لي بعشقها وهيامها:
– حبيبي، ألبسني، فأنت لباسي، أسكن إلي، فأنت سكن لي.
تتكور حبيبات بلورية زجاجية على جبينه ككويرات البرد، تتدحرج ماسحة جغرافية وجهه الأصفر، وتندلق على صدره، فيهذي ويهلوس، وجبينه يعرق بغزارة، يشتعل جسده نارا كصفحة حديد ساخن.
تصرخ أمه العجوز، تولول وتعول:
– مس الرجل، سيضيع مني ولدي، سيضيع منك ومن أولاده يا امرأة.
تدخل زوجته الشابة الغرفة الكئيبة، تجر جسدها المنهوك، خائرة القوة، وتستند على ردفيها، وهي ترتجف كورقة توت ميتة صفراء، تفوح منها رائحة حليب قديم مندلق على صدرها، تحمل طستا نحاسيا، وخرقة قماش أبيض وقليلا من البخور، تضع شمعة في فانوس يتدلى من دعامة السقف كإجاصة مشنوقة، ويتوسط فناء الغرفة، تدغدغ فتيلتها بعود ثقاب، فتذرف دموعها ساخنة، تبكي الممسوس بحرقة، وتعدد مناقبه كعاشقة ولهانة.
تقعي المسكينة ككلب أمامه، تغمس الخرقة في ماء بارد في الطست، وتمررها على جبينه، تمسح عرق الحمى المتصبب من جسده، فينتفض كالمذبوح ويصرخ في وجهها:
– افتحي نوافذ هذه الخربة يا امرأة، أفسحي الطريق أمام الضيفة القادمة يا غجرية!
يتحجر سؤال حائر على شفتي أمه، وتضيع حروفه في الفراغ:
– من هي القادمة يا ولدي؟
وقبل أن تلملم أطراف سؤالها ينهرها بعصبية:
– اسكتي يا أماه، اسكتي … ومن سيكون غيرها؟
تدحرج بطنها أمامها، تتعثر، وتتمسك بالحائط، تشرع النوافذ، وتفتح الباب فيحدث صريرا موحشا، تتسرب منه نسمات باردة، تراقص الستائر البالية، ويطرد نور كبريق البرق ظلمة الغرفة، ويمتص ضوء الشمعة الباهت. وتسري في أوصال أمه وزوجته رجفة رعب، يخبو ذلك النور شيئا فشيئا، وتهدأ النسمات المتسربة، وتستأنف الشمعة نشاطها، تسكب دموعها نائحة باكية.
يتسلل بهدوء من باب الغرفة المفتوح، بخطى ثقيلة نائما…صاحيا، وكمومياء متحركة يسير نحو المجهول، يلفه الظلام المسدول. ويطرق سمعه الهمس من جديد:
– أركض …أركض … ارحم نفسك … هي لك وأنت لها، فدمك الأحمر امتزج بدمها الأخضر، فأنتما جسدان في جسد واحد، فلا إنس ولا جن بعد اليوم، فقط عبدة عشق قاتل ممنوع، جمال اتحاد وروعة حلول، اركض، فالركض خلاصك من إنسانيتك المعذبة.
كظبي يمتطي صهوة الريح، يحضنه جنح ليل على صدر الكون جثوم. وتضيع في الحلكة خطاه، وبصراخ مؤلم تفتض أمه بكارة الصمت المطبق:
– ولدي اختطف يا ناس، آه يا ولدي آه منك يا كافرة!
وتفقد وعيها، يهول زوجته الشابة حال الأم، فتصرخ وتستغيث، لكن كان صوتها رخوا متقطعا، أشبه بصياح دجاجة في مخاض. لكنه سرعان ما يجتاح تخوم القرية، فتسيل شعابها بأضواء القناديل الباهتة، ويمتزج نباح الكلاب بحفيف النسيم، بتكتكة النعال فوق التراب والهشيم في سيمفونية ليلية موحشة.
يتلاعب كبير القرية بعكازه، وبنبرة فيها شيء من الدفء:
– يا قوم، عيشة تضعف أمام شعلة النار، ففيها حكمة.
– من أين لنا بشعلة الحكمة هذه، يا سيد القوم؟
يستفسره القرويون، ويصيح فيهم بأعلى صوته:
– عدو ا معي… خطوة… خطوتان… ثلاثة… أحرقوا العمائم.
يتساءل أحدهم من بين الحشود، وبسؤال لا يخلو من تشكيك ومآخذ على كبير القرية:
-لكن ما علاقة ما يقع بإحراق عمائمنا يا سيدنا؟
يمسح الكبير على الرؤوس بنظرات شاردة لكنها واثقة:
– يا قوم اعلموا رعاكم الله أن العمامة غطاء الرأس، والرأس رأس الحكمة والقديسة، عيشة تتهيب من الحكمة، وتخاف شعلة النار، ألم تسمعوا بأنها أضاءت كهوف الجهل في زمن مضى؟ القديسة تكره شعلة بروميثيوس لأنها نور فيك، نور في، نور فينا جميعا، والنور سلاح ضد هوام الليل منذ الزمن الغابر، أليست هذه العفريتة هامة ليلية؟
تلتهم النيران العمائم، يومض ضوؤها كنور الشمس في عز النهار، ويقضم من برنوس الليل الأسود، في كل خطوة قضمة، في شعلة كل عمامة تحرق، كسر لصمت المرجة القاتل، وهتك لسر من أسرار العفريتة عيشة. هم يدركون مغزى حكاية المسكين وملكة هذه المرجة من طفلهم إلى شيخهم:
– صريع حب مستحيل، عاشق مجنون، والمعشوقة وهم لا خلاص منه، عاشق لا وجهة له غير هذه المرجة الزرقاء، هو يجهل تماما أن عيشة تنصب فيها فخاخ إغراءاتها، فتصطاد ضحاياها كالأرملة السوداء، شراكها ضوء مميت، دوما يجلب حشرات معتوهة.
تحت ضوء القمر الباهت، وأنوار العمائم المحروقة، يلوح شبحه مركوزا كالرمح مغروزا في الأرض، يدور في اتجاه عقارب الساعة بسرعة لولبية، ويشخر شخيرا غير عاد، بشخير الميت أشبه.
يقترب منه الأهالي بحذر، كتلة رغوة بيضاء، تغطي وجهه تماما، وعيناه جاحظتان شاخصتان إلى السماء، يقترب منه كبير القرية بتوجس:
– ههه يا ناس، هذه عيشة الجنية مجنونة بعشقه، تمتص منه رحيق نشوتها، وتتلذذ بجسده الغض وتمارس عليه شذوذها، وكرهها الأبدي للرجال، وبعد لحظات ستذبل زهرته، وسترميه عظما بلا لحم، فمن زوجته؟
تتقدم فتاة في مقتبل العمر، جميلة هيفاء يربت على كتفيها، ويطبطب على رأسها وبنبرة متقطعة حزينة:
– هذه ضرتك، هذه غريمك يا بنيتي، اقبليها… ستشاركك عشك، فمعركتك غير متكافئة، فماذا تودين قوله لها يا بنيتي؟
تنزلق دمعتان كبيرتان على خديها، ترفع عينيها إلى السماء وتتضرع:
– أختاه في العشق، والعشق جنون، خذيه روحا وقلبا، واتركيه لي عظما ولحما، يعز على غيابه.
تربت حمحمة حصان جامح على رؤوس أشجار الدفلى، وتتلاشى عبر شعاب المرجة الملعونة المتخمة بصمت الصمت، تهدأ حركة الرجل، يسكن جسده، ترتخي قبضتاه، وينام نومة ربما لا قومة بعدها. يتلاعب كبير القوم بضفيرتها السوداء المنسدلة على خصرها، يقترب منها ويهمس في أذنيها بصوت خافت:
– على سلامته، على سلامتك، وعلى سلامة أمه وأبنائه، هو الآن غائب / حاضر، لكنه سيعود إليكم سليما بإذن الله قبيل طلائع الفجر الأولى، لقد نالت منه وطرها حتى ارتوت، وهي منذ الأزل حال وأحوال، عشاقة ملالة.

أضف تعليقاً